فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 122

والصيام في الأمم الماضية يكون بالإمساك عن الكلام كما في قوله-تعالى-: إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا {، واختلف العلماء-رحمهم الله تعالى- في قوله:} كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ {قال بعض العلماء: الشبه في قوله:} كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ من حيث الفرضية أي ألزمناكم بالصيام كما ألزمنا من قبلكم - وإن كان هناك فرق بينكم وبينهم في الصفة -، وقال بعض العلماء: بل إن الفرضية في أولها كانت كفرضية أهل الكتاب، ثم نسخت بعد ذلك.

المقصود أن الصيام فرض على الأمم السابقة كما فرض على المسلمين منذ عهد النبي محمد صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا بنص الآية السابقة.

لكن مما يُقطع به أن صيام الأمم السابقة ليس كصيامنا، وإن كان الجميع يشتركون في هذه العبادة العظيمة، وهذا من أعظم الدلائل على أن دين الله واحد، وأن تعددت الرسل والرسالات، ولهذا قال الله تعالى:"إن الدين عند الله الإسلام".

أما عن كيفية صيام الأمم السابقة فكما أسلفت ليس هناك نصوص تدل على كيفية صيامهم، إلا ما ثبت في السنة حول صيام داود عليه السلام، عَنْ عَبْدَاللَّهِ بْنَ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"أَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ صِيَامُ دَاوُدَ، كَانَ يَصُومُ يَوْمًا، وَيُفْطِرُ يَوْمًا، وَأَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى اللَّهِ، صَلَاةُ دَاوُدَ، كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ" [متفق عليه] ، وكذلك ما ثبت من صيام موسى ليوم عاشوراء، عندما نجاه الله وقومه من فرعون وقومه فصام ذلك اليوم شكرًا لله تعالى، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّه عَنْهمَا قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ، فَرَأَى الْيَهُودَ تَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ مَا هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا يَوْمٌ صَالِحٌ، هَذَا يَوْمٌ نَجَّى اللَّهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ عَدُوِّهِمْ، فَصَامَهُ مُوسَى، قَالَ:"فَأَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ فَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ" [متفق عليه] .

وذكر ابن كثير رحمه الله تعالى أن الصيام الذي كتب على من كان قبلنا من الأمم شهر كامل عند بعض أهل العلم، وعند البعض الآخر ثلاثة أيام، ودلل على ذلك بآثار عن الصحابة رضي الله عنهم. [تفسير ابن كثير 1/] .

حُكم صيام شهر رمضان:

صوم رمضان هو الركن الرابع من أركان الإسلام العِظام، وركيزة من ركائزه الجِسام، قال صلى الله عليه وسلم"بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلاّ الله وأن محمدًا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت" [متفق عليه] .

فصيام شهر رمضان واجب بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين.

أماّ الكتاب والسنة، فقد مضت الأدلة على ذلك، أماّ الإجماع، فقال ابن عبدالبر"وأجمع العلماء على أن لا فرض في الصوم غير شهر رمضان" [الإجماع لابن عبدالبر 126] .

وجوب صيام شهر رمضان:

يجب صيام شهر رمضان ويثبت دخوله بأحد أمرين:

1_ برؤية الهلال: لقوله صلى الله عليه وسلم"صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غُمّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين" [رواه مسلم] .

وقوله صلى الله عليه وسلم"إذا رأيتم الهلال فصوموا" [رواه البخاري] .

2_ بإكمال عدة شعبان ثلاثين يومًا، للحديث السابق، وفي لفظ"فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يومًا".

والمقصود أن الصيام يثبت وجوبه ودخول شهره بالرؤية، فإن لم يُرَ وجب إكمال شعبان ثلاثين يومًا ثم يصوم الناس.

فإن حصل غيم وقتر حال دون الرؤية ليلة الثلاثين من شعبان، فيجب إكمال شهر شعبان ثلاثين يومًا، أماّ صيام يوم الشك وهو يوم الثلاثين من شعبان فلا يجوز لقول عمار بن ياسر رضي الله عنه:"من صام اليوم الذي يُشك فيه فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم" [رواه البخاري] . ويشهد لذلك حديث عائشة رضي الله عنها قالت:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ من غيره، يصوم لرؤية هلال رمضان، فإن غُم عليه عدَّ ثلاثين يومًا، ثم صام" [أخرجه أبو داود وابن حبان 8/ 228 والحاكم وغيرهم، وقال الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط مسلم، وانظر سبل السلام 4/ 87] .

فالبعض من الناس ممن لم يَرَ الهلال ليلة الثلاثين ينوي أنه صائم ذلك اليوم إن كان من رمضان وإلاّ فهو مفطر، وهذا لا يجوز للحديث السابق، بل إذا رأى الناس الهلال صاموا، وإذا لم يروه أكملوا عدة شعبان ثلاثين يومًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت