فهرس الكتاب

الصفحة 13 من 122

وعن الحارث بن حاطب رضي الله عنه أنه قال:"عهد إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننسك للرؤية، فإن لم نره وشهد شاهدا عدل نسكنا بشهادتهما" [رواه أبو داود] .

أما إذا شهد غير العدل لاتقبل شهادته؛ والسبب في رد غير العدل، هو اجتراؤه على فعل كبائر الذنوب سواءً كانت قولية كأن يكون إنسانًا نمامًا-والعياذ بالله- فالنميمة تعتبر من كبائر الذنوب، أو كثير الاغتياب للناس دائمًا يقع في أعراض الناس فيغتابهم فهذا لاتقبل شهادته، والفعلية كشرب الخمر والزنى فإن هذه تسقط عدالته وتوجب رد شهادته، السبب في هذا يقول العلماء: أنه إذا كان جريئًا على هذه الكبيرة فمن باب أولى أن يجرؤ على الكذب، ومن هنا كأن وجود هذه الكبيرة يعتبر دليلًا على أنه غير مأمون؛ لأنه إذا لم يؤتمن على حق الله، كذلك من باب أولى أن لا يكون أمينًا على حقوق الناس.

لكن الحنفية-رحمة الله عليهم- عندهم تفصيل في الفاسق يقولون: إن الفاسق ينقسم إلى قسمين:

القسم الأول: فاسق تحصل بفسقه التهمة.

والقسم الثاني: فاسق لا تحصل بفسقه التهمة، فالفاسق الذي تحصل بفسقه التهمة كأن يكون معروفًا بالكذب، ومعروفًا بالذنوب التي هي من الكبائر والفاسق الذي لاتحصل التهمة به كأن يكون إنسانًا يشرب الخمر مثلًا؛ ولكنه لايكذب، وهذا يقع، فإنك قد ترى بعض الناس عاصيًا وترى على سمته أنه ليس بمطيع ولكنه أمين وتجده من أبر الناس بوالديه، ومحافظًا على العهد لايكذب ولايغش، فتجد مظهره على أن عنده بعض الإخلال؛ ولكن تجد في نفسه وفي قرارة قلبه ما لاتجده عند من يوصف بكونه صالحًا، وقد تجد الإنسان على سمت أو ظاهره طيب ولكنه كذاب أو غشاش أو خائن-والعياذ بالله- أو سارق أو شارب خمر في الخفية، فلذلك الحنفية-رحمة الله عليهم- يفصلون فيقولون: العبرة بالأمانة فإذا عرف بالصدق ولو كان يشرب الخمر ولو كان يزني نقبل شهادته؛ لأنه لما عرف بالصدق غلب على الظن أنه صادق فيما يقول، ولذلك قالوا: لاتقوى التهمة في رد شهادته وحينئذٍ لا نردها، والذي يظهر والله أعلم أنه لاتقبل شهادة من طعن في عدالته لقوله-تعالى-: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} فأمرنا بالتثبت والتبين والتروي في خبر هذا النوع فدل على عدم قبوله؛ لأن التثبت والتروي نوع من الرد؛ لأنه لم يقبلها مباشرة، وعلى هذا فالصحيح مذهب الجمهور أنه لاتقبل شهادته سواءً كان ممن يغلب على الظن صدقه أو لا يغلب على الظن صدقه.

ولكن هنا مسألة: ذكرها شيخ الإسلام-رحمه الله- وأشار إليها ابن فرحون في التبصرة وغيرهما من العلماء كصاحب معين الحكام الذي هو الطرابلسي في كتابه مناهج القضاء، وهي ما إذا لو انتشر الفسق وعم، وأصبح من الصعوبة أن تجد العدل مثلًا، ولو وقع شيء في مكان لاتجد فيه العدل أو قد لاتجد العدل إلا بصعوبة، وجاء شهود من نفس المكان الذي يتواجد فيه الفسّاق، فهل نقبل شهادتهم أم لا؟

قرر شيخ الإسلام ابن تيميه أنه إذا عم الفسق وانتشر أنه يقبل أمثل الفساق يعني ممن يعرف بالمحافظة أو يعرف بالصدق، أو يعرف بالانضباط فتقبل شهادته ويعمل بها وهذا في الحقيقة أصل قوي؛ لأنه تدعو الحاجة إليه وهذا الذي يسمونه المسائل التي تعم بها البلوى وهي مفرعة على القاعدة المعروفة:"أن الأمر إذا ضاق اتسع، وإذا اتسع ضاق"فإذا كان الناس في سعة والعدول كثيرون حينئذٍ نضيق على الناس في الشهادة، أما إذا كان الأمر على العكس؛ العدول قليل والعكس أكثر فحينئذٍ يتسع الأمر ونحكم بقبول شهادة من هو أمثل.

شهادة المرأة:

لو جاءنا رجل واحد وشهد أنه رأى هلال رمضان هل يصام أو لا يصام؟

للعلماء وجهان:

الوجه الأول: الجمهور على أن شهادة الواحد تقبل، وأن هذا ليس من باب الشهادة؛ وإنما هو من باب الخبر ويرون أن دخول رمضان يكون من باب الخير لا من باب الشهادة، ولأن الشهادة لابد فيها من التعدد ولا تقبل شهادة الواحد، والشرع دائمًا يقبل العدد، وبناءً على ذلك قالوا: تقبل شهادة الواحد لحديث ابن عمر-رضي الله عنهما-: أنه رأى الهلال وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم فصامه وأمر الناس بصيامه فدل على قبول شهادة الواحد في دخول شهر رمضان، وفيه حديث الأعرابي أنه شهد عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: (( أتشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله؟ ) )قال: نعم قال: (( يا بلال قم فأذن بالناس أن يصوموا غدًا ) )ولكنه حديث ضعيف، ولكن حديث ابن عمر أقوى منه وصححه غير واحد من العلماء منهم الحاكم، وغيره، وهو يدل على أن شهادة الواحد يثبت بها شهر رمضان إذا قلنا: إن قبول شهادته إنما هو من باب الخبر لامن باب الشهادة فحينئذٍ يقال بقبول شهادة الأنثى، فلو أن امرأة شهدت برؤية الهلال قبلت شهادتها؛ لكن لا من باب الشهادة.

الفرق بينهما:

اولًا: أن الشهادة يشترط فيها العدد.

ثانيا: لابد أن يحكم القاضي بها فيأتي إلى مجلس القضاء ويشهد، ويثبت الدخول بشهادته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت