فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 122

والراجح - والعلم عند الله - هو قول الجمهور أنه إذا حال بين الناس وبين رؤية الهلال غيم أو قتر أنه لايجب عليهم صيام يوم الثلاثين.

والدليل على ذلك: نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث عبدالله ابن عمر في الصحيحين: (( لاتقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين ) )فهذا يدل على أننا لانصوم يوم الشك، وهذا نهي تحريم كما سيأتي.

وإذا ثبت أن الأصل كون الشهر ثلاثين كما في الحديث الصحيح في قوله-عليه الصلاة والسلام-: (( صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين ) )هذا نص صريح فالقول الذي يقول إن العدة تكمل ثلاثين يومًا أقوى؛ لأنه اعتمد الأصل.

وأما رواية: (( فاقدروا له ) )فإن القدر يطلق بمعنيين:

الأول: إما أن يراد به التضييق.

الثاني: وإما أن يراد به الحساب تقول قدر يعني احسب لي هذا الشيء وبين لي حقيقته وأعطني قدره وحقه من العدد والحساب، فلما كان قوله-عليه الصلاة والسلام-: (( اقدروا له ) )وكانت المسألة مسألة حسابية حمل قوله: (( اقدروا له ) )على الحساب؛ لأن القاعدة:"أن مبنى الحديث قرينة على معناه"فلما كان الحديث منبنيًا على الحساب وعندنا معنى للقدر بمعنى التضييق والقدر يعني التقدير وهو الحساب حملناه على معنى الحساب؛ ولأن القاعدة في الأصول:"أنه إذا تردد الحديث بين معنيين معنى يخالف به نصوصًا أخرى ومعنىً يوافق وجب صرفه على المعنى الموافق"فلما جاءنا حديث: (( أكملوا العدة ثلاثين ) )فسر المراد بقوله: (( اقدروا له ) )أي اجعلوا لشعبان قدره فيكون قوله: (( اقدروا له ) )أي أعطوا شعبان قدره بمعنى أكملوا عدة شعبان فاتفقت رواية التقدير مع رواية الإكمال، وبناءً على ذلك فإنه إذا حال بيننا وبين رؤية الهلال في ليلة الثلاثين غيم أو قتر فإننا نكمل عدة شعبان ثلاثين يومًا.

عدد الشهود في دخول شهر رمضان وخروجه وبقية الشهور:

الهلال ودخول الشهر، يثبت بشهادة شاهد عدل واحد، وذلك عند جمهور أهل العلم، لِما ثبت عن ابن عمر رضي الله عنهما قال:"تراءى الناس الهلال فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم أنيّ رأيته، فصام وأمر الناس بالصيام" [رواه أبو داود وصححه الألباني في الإرواء 4/ 16] .

ولماّ ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم أن أعرابيًا شهد عنده بأنه رأى الهلال، فقال صلى الله عليه وسلم:"أتشهد أن لا إله إلاّ الله، وأني رسول الله، قال: نعم، فأمر بالصيام" [رواه الترمذي وهو ضعيف] .

المقصود أن الهلال إذا رآه عدل في الدخول وجب الصيام بقوله وشهادته.

والعدل أو الثقة: هو المستقيم الذي يقوم بالواجبات كالصلوات الخمس، ولم يفعل كبيرة، ولم يصر على صغيرة، ويشترط مع ذلك أي مع العدالة والثقة أن يكون قوي البصر، لأنه إذا كان عدلًا ثقةً ضعيف البصر، فلا بدّ أن يكون متوهمًا للرؤية.

فيصام برؤية عدل، والعدل يراد به من يجتنب الكبائر ويتقي في غالب حاله الصغائر:

العدل من يجتنب الكبائر ... ويتقي في الأغلب الصغائر

فإذا كان مجتنبًا للكبائر وهي المعاصي الكبيرة كالقتل والزنى وشرب الخمر ونحوها من كبائر الذنوب لايفعلها فهو عدل، ويجتنب في غالب حاله الصغائر، لماذا يقول العلماء: يجتنب في غالب الحال الصغائر؟ لأنه لايمكن لأحد أن يسلم من الصغائر، وقد أشار النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله في حديث عنه: (( إن تغفر اللهم تغفر جَمًّا، وأيُّ عبد لك ما ألمَّا ) (( إن تغفر اللهم تغفر جمًا ) )أي شيئًا كثيرًا، وكمًا كبيرًا، (( وأي عبد لك ما ألما ) )أيْ أيُّ عبد من عبادك لم يصب اللمم وهي صغائر الذنوب، فلايمكن لإنسان أن يسلم من صغائر الذنوب.

وصغائر الذنوب لها أمثلة، مثل النظرة وإن كان بعض العلماء يفاوتها بحسبها، فالنظر إلى العورة المغلظة ليس كالنظر إلى الوجه ونحو ذلك، فالمقصود أنه إذا اتقى في غالب حاله صغائر الذنوب فهو عدل، أما لو أصر على الصغيرة وداوم عليها فإنه لايكون عدلًا، ولذلك قالوا: لا كبيرة مع الاستغفار، ولاصغيرة مع الإصرار، فإن صغائر الذنوب تهلك صاحبها كما أن الجبال تكون من دقائق الحصى فإن هلاك الإنسان قد يكون بصغائر الذنوب، ولذلك يقول ابن عباس-رضي الله عنهما-: لا تنظر إلى معصيتك؛ ولكن انظر إلى من عصيت، فإذا كان الإنسان نظر إلى عظمة الله عز وجل فإن الصغيرة كأنها كبيرة؛ لكن إذا استخف بذلك ونظر إلى أنها شيء يسير فقد تهلكه وتوبقه ـ نسأل الله السلامة والعافية ـ فالعدل هو الذي يتقي في غالب حاله صغائر الذنوب ويمتنع من كبائر الذنوب، فإذا كان كذلك فهو العدل الذي تقبل شهادته، وهو الرضي الذي يُعتد بشهادته وقد أشار الله إليهما بقوله-تعالى-: {وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ} ، وقوله: {مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ} فلا يُرضى إلا العدل.

أماّ بالنسبة للشهادة لخروج رمضان وبقية الشهور، فلا بد من شاهدين، لقوله صلى الله عليه وسلم"فإن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا" [رواه أحمد] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت