فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 122

الحالة الأولى: أن تكون السماء صحوًا ليلة الثلاثين؛ لأن الإشكال كله في ليلة الثلاثين فليلة الثلاثين من شعبان التي هي آخر شهر شعبان يترآى الناس الهلال فإن رؤي الهلال فلا إشكال، وإذا لم ير الهلال فلا تخلو السماء من حالتين:

الحالة الأولى: أن تكون السماء صحوًا، والسماء الصحو: هي الواضحة التي لاغيم فيها ولا قتر، والقتر: هو الغبار ونحو ذلك كالدخان الذي يحجب الرؤية، فالسماء إذا كانت صحوًا والرؤية ممكنة وتراءينا الهلال ولم نره فحينئذٍ بالإجماع على أن الليلة تعتبر من شعبان، وأنها لا تعتبر من شهر رمضان، ولايحكم بدخول شهر رمضان بالإجماع.

لكن الحالة الثانية: وهي أن تكون السماء فيها غيم أو يكون فيها قتر من غبار كما يقع في بعض الأحيان يأتي العجاج والريح بالغبار والأتربة فلا يتمكن الناس من رؤية السماء، أو يكون هناك حريق أو دخان فلا يتمكن الناس من رؤية السماء، فإذا حصل الحائل الذي يسمى الحائل سواءً من غيم أو قتر أو دخان فما الحكم؟

للعلماء قولان:

القول الأول: قال بعض العلماء: إذا كانت السماء مغيمة أو كان بها قتر فإنه يحكم بتمام شهر شعبان وهذا هو مذهب جمهور العلماء ومنهم الحنفية، والمالكية، والشافعية، والظاهرية، وطائفة من أهل الحديث أنه إذا كانت ليلة الثلاثين ولم نر الهلال سواءً كانت السماء صحوًا أو كانت مغيمة فيها قتر، أو ليس فيها شيء فالحكم عندهم سواء أنهم يتمون عدد شعبان ثلاثين يومًا.

واستدلوا بما ثبت في الحديث الصحيح عنه-عليه الصلاة والسلام- أنه قال: (( فإن غُمَّ عليكم فأكملوا العدة ) )وفي رواية: (( فأكملوا عدة شبعان ثلاثين يومًا ) )وجه الدلالة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( فإن غم عليكم ) )فنص على أنه إذا لم ير الهلال ولو كان هناك غيم أننا نتم العدة ثلاثين يومًا هذا الدليل الأول.

أما الدليل الثاني: قالوا الأصل في الشهر ثلاثون يومًا الأصل أن الشهر كامل حتى يدل الدليل على أنه ناقص، فالنقص خلاف الأصل؛ والقاعدة في الشرع:"أن الأصل بقاء ما كان على ما كان"، فنحن الأصل أننا في شعبان ونشك هل دخل رمضان أو لا؟ فلما كانت العدة ناقصة يقول يجب علينا إكمال العدة؛ لأنه الأصل، وعلى هذا فيجب إتمام شعبان ثلاثين يومًا.

القول الثاني: قالوا: إذا كان هناك غيم أو قتر فإنه يصام ذلك اليوم ويحسب من رمضان، وهذا هو قول الإمام أحمد-رحمة الله عليه-، واختاره طائفة من أصحابه على أنه إذا كانت السماء مغيمة أو بها قتر أنه يجب صوم ذلك اليوم لاحتمال كونه من رمضان.

واستدلوا: برواية: (( فإن غم عليكم فاقدروا له ) )قالوا قوله-عليه الصلاة والسلام-: (( فاقدروا له ) )القدر هو التضييق، تقول العرب: قدر الشيء إذا ضيقه، ومنه قوله-تعالى-: وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ {حينما عَلَّم داود صنعة اللبوس التي تكون لمنع ضربات السيوف ونحوها قال:} وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ {يعني ضيق حلق السرد حتى لايصاب الإنسان إذا طعن أو جرح، فالتقدير هو التضييق، ومنه قوله-تعالى-:} وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّه {أي ضيق عليه، ولذلك قال-تعالى-:} يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ {} يَبْسُطُ {بمعنى أنه يغني} وَيَقْدِرُ بمعنى يضييق، فالقدر التضييق، فلما قال: (( إن غم عليكم فاقدروا له ) )قالوا معنى ذلك: أننا نضييق شهر شعبان ولا نعده كاملًا ونجعله تسعًا وعشرين ثم ندخل في شهر رمضان.

واستدلوا - أيضًا - بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال كما في الصحيحين: (( إنا أمة أمية ) )وهذا الحديث يحتاج إلى تأمل، وهو أن وصف الأمية لأمة النبي - صلى الله عليه وسلم - وصف شرف وليس بوصف نقص على خلاف ما يظنه بعض الناس اليوم أن الأمية وصف نقص والواقع هناك فرق بين الجهل والأمية، فالشخص قد يكون أميًا وهو عالم، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان أميًا وهو أعلم من على وجه الأرض، قال-تعالى-: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا وهذا وصف شرف لايظن أنه نقص. قوله: (( إنا أمة أمية ) )يثبت هذا، ولذلك الأنسب أن يقال محو الجهل؛ لأنه أنسب حتى لايظن الناس أنها صفة نقص قال: (( إنا أمة أمية: لانكتب ولا نحسب، الشهر هكذا ) )قال الراوي: أشار بيديه ثلاثًا هكذا يعني ثلاثين يومًا، وهكذا أي أشار ثلاث مرات، قال: ثم قبض إبهامه في الثالثة أي أن الشهر ثلاثين ويكون أيضًا تسعًا وعشرين، ففي المرة الأولى التي أشار ثلاث مرات-عليه الصلاة والسلام- أي أن الشهر يكون كاملًا ويكون ناقصًا قال أصحاب القول الثاني إنه لما قال: (( الشهر هكذا وهكذا ) )فمعناه أن اليقين أن الشهر تسع وعشرون، والشك في الثلاثين فالأصل في الشهر تسع وعشرون عندهم وحينئذٍ يكون كمال الشهر بتسع وعشرين؛ لكن اليوم الثلاثين مشكوك فيه قالوا: فحينئذٍ نوجب على الناس صيام هذا اليوم لاحتمال كونه من رمضان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت