ثالثًا: يكون بلفظ أشهد أني رأيت الهلال ويصف رؤيته على وجه تنتفي به التهمة، هذا بالنسبة لأصول الشهادة.
ويشترط فيها العدد فلا يقبل أقل من شاهدين.
ويشترط فيها الذكورية ولاتقبل شهادة الأنثى؛ لأن الأنثى شهادتها على نوعين:
النوع الأول: إن كانت في الأموال وما يتبع الأموال قبلت شهادتها.
النوع الثاني: وإن كانت في غير الأموال فالإناث لاتقبل شهادتهن لحكمة من الله تعالى؛ والسبب في ذلك: مثلًا الجنايات القتل السرقة الزنا لاتقبل فيها شهادة النساء.
والدليل على ذلك: أن الله عز وجل في آية النور أمرنا باستشهاد أربعة على الزنا، فلو كانت المرأة تشهد لقال أو ثمانية؛ لكن في الأموال في آية البقرة قال تعالى: {فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ} فَنزَّل المرأتين منزلة الرجل الواحد قال-تعالى-: {تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى} وفي قراءة: {فَتُذْكِرَ إحداهما الأخرى} أي أن شهادتها معها بمثابة الرجل {تُذْكِرُهَا} أي تنزلها منزلة الذَّكَر؛ والسبب في هذا قوله: {تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا} والسبب في ذلك: أن الله عز وجل جبل النساء على العاطفة وفيهن من الضعف واللين ما جعله الله تعالى لحكمة لصلاح هذا الكون فلايستقيم الكون باثنين بصفات واحدة متماثلة؛ لأن هذا يفضي إلى مفاسد لايعلمها إلا الله تعالى ولكن جعل الله في المرأة العاطفة واللين حتى تقوم على الذرية ويصلح بصلاحها الذرية فهذا اللين والضعف في مكان كامل وفي مكان ناقص، فإذا جاءت المرأة تشهد فإنها لاتستطيع لأن فيها العاطفة، ولذلك يقول العلماء: إنها إذا خوصمت لو خاصم الرجل المرأة فإنها تخاصمة تعطيه الكلمتين والثلاث ثم تضيع تبكي وتستولي عليها العاطفة ولاتستطيع أن تكمل كلامها؛ والسبب في هذا أن الله عز وجل جبلها على هذا لحكمة منه-سبحانه- رفقًا بالأولاد وبالذرية فتجد من صفاتها وعطفها على ولدها ما لايستطيع الرجل أن ينزل منزلتها، وهذا لحكمة منه سبحانه، ولما كانت الشهادة تحتاج إلى تروٍ وتثبت، فالشاهد يرى الدماء ويرى الأشلاء ويرى القطع، فإذا كانت المرأة ضعيفة القلب لاتستطيع أن تتحمل هذا، ولذلك بمجرد أن ترى هذه الأشياء تصرخ ولربما تصاب بشيء في رؤيتها مما يؤدي إلى التأثير في شهادتها، ومن هنا منعت من الشهادة في غير الأموال، وعلى هذا جماهير العلماء-رحمة الله عليهم- وظاهر القرآن يدل عليه فلو كانت شهادة المرأة في غير الأموال مقبولة لنص الله عز وجل على البدلية.
والصحيح أن شهادتهن قاصرة على الأموال وما في حكم الأموال كالشهادة على الوصية التي تتضمن إثبات مال فهذه يمكن أن يثبت بها، إذا شهدن بأن الميت أوصى لفلان بنصف ماله أو بربع ماله أو بثلث ماله ونحو ذلك فهذه شهادة وإن لم تكن مالية محضة لكنها آيلة إلى المال، وهي التي يسمونها الشهادة في حكم المال.
الخلاصة: أن العلماء رحمهم الله اختلفوا في شهادة المرأة قبولًا وردًا في دخول الشهر، والأرجح والله أعلم عدم قبول شهادتها في هذا الباب، لأن هذا المقام من مقام الرجال، ومماّ يختص به الرجال ويشاهده الرجال، ولأنهم أعرف وأعلم بهذا الأمر من النساء.
أماّ في شوّال وبقية الشهور لا يُقبل إلاّ ذكران عدلان.
ماذا يفعل من رُدت شهادته:
ومن رأى الهلال ورُدت شهادته لأي سبب كان، فقد إختلف العلماء في وجوب الصوم في حقه، فقد ذهب الأكثرون إلى أنه يصوم لأنه ثبت الشهر في حقه برؤيته، فيصوم ويسبق الناس بيوم، ويفطر معهم إذا أفطروا، ودليلهم على ذلك قوله تعالى:"فمن شهد منكم الشهر فليصمه"، وقوله صلى الله عليه وسلم:"صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته" [متفق عليه] .
وبما أن من رأى الهلال قد تيقنه فلزم الصوم، وقال آخرون: لا يلزمه الصوم، وجاء هذا عن الإمام أحمد، وهو اختيار شيخ الإسلام، وقالوا لا يلزمه الصوم إذا لم يُعمل برؤيته لقوله صلى الله عليه وسلم:"الصوم يوم تصومون والفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحون"، وقالوا: بما أن شهادته قد رُدت فتصبح لاغية في حقه وحق غيره.
ولأن في ذلك مُنابذة لوليّ الأمر، وعدم طاعة له، والله تعالى أمر بطاعة وليّ الأمر في قوله تعالى:"يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله وأُولي الأمر منكم".
وأيضًا في ذلك خروج على جماعة المسلمين وانشقاق عنهم.
والأرجح في ذلك والله تعالى أعلم، أنه ينبغي له الفطر مع الناس والصيام معهم، وإن صام سرًا ولم يجهر بذلك فقد قال به بعض العلماء، والعلم عند الله تعالى. [سبل السلام 4/ 88] .
أماّ إذا كان الرائي في بادية أو مكان بعيد عن الناس ولا يمكن له أن يأتي للإدلاء بشهادته إلاّ بمشقة، فإنه إذا رآه وجب عليه الصيام.
وخلاصة المسألة: