فكذلك النظرة إذا أثَّرَتْ في القلب .. فإنْ عَجَّل الحازمُ، وحَسَمَ المادةَ مِن أوَّلِها سَهُل علاجه، وإنْ كرَّرَ النظر، ونَقَّبَ عن محاسن الصورة، ونقلها إلى قلب فارغ فنقشها فيه؛ تمكنت المحبة .. وكلما تواصلت النظرات كانت كالماء يسقي الشجرة؛ فلا تزال شجرة الحب تنمو حتى يفسد القلب، ويُعرِض عن الفكر فيما أُمِرَ به؛ فيخرج بصاحبه إلى المحن، ويوجب ارتكاب المحظورات والفتن، ويُلقِي القلب في التلف .. والسبب في هذا أنّ الناظر التذَّتْ عينُه بأول نظرة؛ فطلبت المعاودة، كأكل الطعام اللذيذ إذا تناول منه لقمة .. ولو أنه غَضَّ أولًا لاستراح قلبه وسلم.
وتأمل قول النبي صلى الله عليه وسلم: \"النظرةُ سهمٌ مسمومٌ مِن سهامِ إبليسَ\"فإنَّ السهم شأنه أن يسري في القلب؛ فيعمل فيه عمل السم الذي يُسقاه المسموم، فإنْ بادر استفرغه؛ وإلا قتله ولا بد .. !.
والنظرة تفعل في القلب ما يفعل السهم في الرمية، فإنْ لم تقتله جرحته، وهي بمنزلة الشرارة من النار تُرمَى في الحشيش اليابس؛ فإنْ لم تحرقه كله أحرقت بعضه، كما قيل:
كلُّ الحوادثِ مَبدأُها مِنَ النظرِ* * * ومُعظَمُ النارِ مِن مُستصغَرِ الشَّرَرِ
كم نظرةٍ فَتَكَتْ في قلبِ صاحبِها* * * فَتْكَ السهامِ بلا قَوْسٍ ولا وَتَرِ
والمرءُ ما دامَ ذا عَيْنٍ يُقَلِّبُها * * * في أعْيُنِ الغِيدِ مَوقوفٌ على الخَطَرِ
يَسُرُّ مُقْلَتَهُ ما ضَرَّ مُهْجَتَهُ* * * لا مَرحبًا بسرورٍ عادَ بالضَّررِ
عن معاوية بن حيدة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"ثلاثةٌ لا ترى أعينُهم النارَ: عينٌ حَرَسَت في سبيلِ اللهِ، وعينٌ بَكَت مِن خشيةِ اللهِ، وعينٌ كَفَّت عن مَحارمِ اللهِ\". [رواه الطبراني ورواته ثقات، وقال الألباني: حسن لغيره]
وفي غض البصر عدة منافع؛ منها: