نطقها بوضع اللسان وضعًا معينًا في الفم تجاه الحنك الأعلى، ويبدو أن ابن جني ركز اهتمامه على مكان آخر سماه أقصى الحلق (والحق أن موضوع الهمزة والألف في العربية يشكل صعوبة ظاهرة في الدرس اللغوي عندهم(عند العرب) ، وقد خلط العلماء بينهما خلطًا واضحًا، وأتوا فيهما بمناقشات تتسم بالغموض وعدم الإدراك الحقيقي لطبيعة هذين الصوتين) (80) .
*أما عن اتفاق ترتيب ابن جني مع الترتيب الحديث فنلاحظ فيه ما يلي:
1 -إن مخرج الجيم والشين والياء من وسط الحنك الأعلى، وهذا يوافق ما يراه كثير من المحدثين اليوم.
2 -مخرج اللام كما وصفه ابن جني يوافق ما يمكن أن نطلق عليه اليوم اسم صوت لثوي حنكي أو لثوي فقط، ولكن مع صفات أخرى تنتج عن مرور الهواء من جانبي الفم.
3 -مخرج النون من طرف اللسان بينه وبين ما فوق الثنايا، يعني أنها صوت أسناني لثوي، أو لثوي فقط، وهذا يوافق ما جرى عليه أكثر علماء الأصوات، وهذا يعني أن اللام والنون متقاربتان في المخرج أو هما من مخرج واحد بضرب من التوسع.
4 -مخرج الراء يوافق ما نعبر عنه اليوم بالصوت اللثوي، وهناك تقارب بين الراء واللام والنون، ويعد بعض المحدثين هذه الثلاثة أصواتًا لثوية وقد أثبتت تجارب هؤلاء أن القدماء -ومعهم ابن جني- كانوا على حق في الربط بين هذه الأصوات الثلاثة، ذلك أنها تشترك -ومعها الميم- في قرب المخرج، والوضوح السمعي Sonority وفي الشيوع وكثرة الدوران على الألسنة لسهولتها، ولهذا شبهت بأصوات اللين وتسمى جميعًا بالأصوات المائعة Liquids (82) أو أشباه الحركات، وقد عرف ابن جني شبه النون والميم بحروف اللين فقال (82) (إنهم أدغموا النون في الميم لاشتراكهما في الغنة والهوى في الفم، ثم أنهم حملوا الواو في هذا على الميم، فأدغموا فيها النون لأن الواو ضارعت الميم بأنهما من الشفة، وإن لم تكن النون من الشفة، فأجازوا إدغام النون في الياء) وقد علق الدكتور إبراهيم أنيس على هذا الكلام وغيره للمبرد فقال (83) فنحن إذن نرى أن بعضًا من علماء العربية المتقدمين قد أحسَّ ببعض ما نحس به، وإن أخطأ تفسيره، فعمد إلى المنطق يفسر به الظواهر اللغوية) يعني أن الصوت الشائع كالنون والميم يتعرض للإدغام.
5 -وصف مخرج الطاء والدال والتاء، وهي أصوات أسنانية لثوية، وصفًا دقيقًا، يناسب نطقنا الحالي لها، وكذلك وصفه لمخرج الظاء والذال والثاء، وهي أصوات أسنانية ووصفه لمخرج الفاء، وهي صوت أسناني شفوي، وقد بلغ ابن جني غاية الدقة في ترتيب الفاء والباء والميم.
*مما سبق عرضه يبدو لنا أن نقاط الاتفاق بين وصف ابن جني لمخارج الحروف ووصف المحدثين لها أكثر من نقاط الاختلاف، وهذا يدعونا إلى الأخذ برأي الدكتور كمال بشر حين قال (84) (أما وصف ابن جني للمخارج بالصورة التي سجلها في كتابه وترتيبه لهذه المخارج فهو يدل على قوة ملاحظته وذكائه النادر، والحق أن النتائج التي وصل إليها هذا العالم في هذا الوقت الذي كان يعيش فيه لتعد مفخرة له ولمفكري العرب في هذا الموضوع ومما يؤكد براعتهم ونبوغهم في هذا العلم أنهم قد توصلوا إليه من حقائق مدهشة دون الاستعانة بأية أجهزة أو آلات تعينهم على البحث والدراسة كما نفعل نحن اليوم) .
الأصوات المجهورة والمهموسة:
تصنف الأصوات الصامتة بحسب وضع الوترين الصوتيين في جهاز النطق إلى مجهورة ومهموسة. فإذا ما تذبذب هذان الوتران عند النطق بصوت ما سمي هذا الصوت مجهورًا Voiced، وفي نطقه