1 -بنى ابن جني حديثه عن مخارج الحروف على ما قاله الخليل وسيبويه (74) ، ولكنه تفوق عليهما في الدقة في ترتيب الأصوات وتوزيعها على المخارج، وتفوقه على الخليل أوضح.
2 -إن ابن جني، ومعه الأقدمون، تعودوا أن ينسبوا النطق إلى اللسان خاصة ولا غرابة في هذا، فهو عضو هام، لأنه مرن وكثير الحركة في الفم عند النطق.
3 -إذا قارنا ترتيب المخارج عند ابن جني بترتيبها عند المحدثين رأينا أن ترتيبه تصاعدي في حين أن ترتيب اليوم عكسي أو تراجعي يبدأ من الشفتين راجعًا إلى الحنجرة، فإذا قلبناه إلى ترتيب تصاعدي، كان على النحو التالي (75) :
ء هـ- ع ح - ق - خ غ ك و - ي - ج ش- ر ز س ص - ت د ض ط ل ن - ث ظ - ف - ب م (و) .
*وبالمقارنة أيضًا يتضح لنا أن بين الترتيبين - القديم والحديث - نواحي اختلاف ونواحي اتفاق (76) أما نواحي الاختلاف، فيمكن أن نغض النظر عن كثير منها لسببين اثنين أولهما التقارب والتداخل بين مخارج النطق وعدم وجود حدود فاصلة فصلًا تامًا بين بعض هذه المخارج، وثانيهما الملاحظة الذاتية والخبرة الشخصية التي تختلف بين الأفراد في نطق الأصوات، ومع هذا يمكن أن نذكر بعض أوجه الاختلاف بين الترتيبين فيما يلي:
1 -جعل ابن جني مخرج القاف أقصى الحنك، ووضعها بين الغين والخاء، موافقًا في هذا الخليل وسيبويه، مخالفًا ما نقوله اليوم في وصف مخرج القاف، فنطقها يتم اليوم برفع أقصى اللسان حتى يلتقي بأقصى الحلق مع عدم السماح للهواء بالمرور من اللسان فجأة، فيندفع صوت انفجاري، القاف إذن، كما ننطقها اليوم في الفصحى، وفي قراءة القرآن الكريم خاصة، صوت لهوي انفجاري، ولا يمكن عدها كذلك في الموضع الذي وضعها فيه ابن جني.
2 -نسب ابن جني، وقبله سيبويه - موضع النطق بالضاد إلى منطقة تلي الجيم والشين والياء، قريبة من وسط الحنك أي أنها لثوية حنكية. وقد عد النحاة القدامى هذا الحرف من خصائص اللغة العربية، وأن الأعاجم لا قدرة لهم على النطق به إذ يلاقون صعوبة في ذلك، وقد وصفوا مخرج هذا الحرف القديم وصفًا دقيقًا بقولهم أنه يخرج من أول حافة اللسان، أو كما يقول ابن جني (77) (إن شئت تكلفها من الجانب الأيمن وإن شئت من الجانب الأيسر، أو من كليهما) ، ومعنى هذا أن الضاد أقرب إلى الحرف المنحرف أو الجانبي كاللام، وهذا يختلف عن نطقنا للضاد اليوم، إذ أنها تتفق والدال والتاء والطاء في المخرج، وهذه الأصوات الأربعة أسنا نية لثوية (78) .
*حروف الصفير الثلاثة (الصاد والزاي والسين) جعل ابن جني مخرجها مما بين الثنايا وطرف الأسنان أي أنها أصوات سنية بالتعبير الحديث، في حين أنها لثوية بحسب نطقنا الحاضر لها، ولهذا يجب أن تكون سابقة على الطاء والدال والتاء لا تالية لها، وأن تكون مع الراء مجموعة الأصوات اللثوية، ولعل مما يسوغ لابن جني ترتيبه المذكور اهتمامه بالتقاء طرف اللسان بالأسنان وإهماله لالتقاء مقدم اللسان باللثة، كما يلاحظ أن فصله بين منطقتي الأصوات الحادية عشرة والثانية عشرة لم يكن واضحًا.
4 -إن أهم مظهر يخالف به ترتيب ابن جني ترتيب اليوم هو خلطه الصوت الصائت بالصامت، مع أنه أدرك الفرق بينهما تمام الإدراك على نحو ما ذكرنا، فلقد ذكر الألف في جدول المخارج، وهي صوت صائت لا مكان لها فيه، وإذا سلمنا بوضعها فيه بالنظر إلى ذكره الواو والياء في الجدول نفسه (79) ، فإن الاعتراض يقوم على قرنها بالهمزة وجعلها من مخرج واحد، مع أن الهمزة صوت حنجري، فالألف ليس مخرجها الحنجرة أو الحلق كما فهم ابن جني، وإنما هي حركة يتعدد موضع