الصفحة 14 من 19

ثلاثة، فكذلك الحركات ثلاث وهي الفتحة والكسرة والضمة، فالفتحة بعض الألف، والكسرة بعض الياء والضمة بعض الواو، وقد كان متقدمو النحويين يسمون الفتحة الألف الصغيرة والضمة الواو الصغيرة، وقد كانوا في ذلك على طريق مستقيمة) (66) ويؤخذ من هذا النص أمر هام هو أن الحركات تشترك مع حروف المد في ناحية النطق والوضوح السمعي، إلا أنها اقصر من تلك الحروف، فهي أبعاض لها، ودليل ابن جني على هذا أنك متى أطلت الحركة صارت حرف مد، وفي هذا يقول (67) (ويدلك على أن الحركات أبعاض لهذه الحروف أنك متى أشبعت واحدة منهن حدث بعدها الحرف الذي هي بعضه) ، ويأتي بأمثلة على هذا منها أنك إذا أشبعت فتحة عين عمَر حصلت على عامر، وإذا أشبعت ضمة عين عُمر حصلت على عومر، (فلولا أن الحركات أبعاض لهذه الحروف وأوائل لها لما نشأت عنها، ولا كانت تابعة لها) وعلى هذا يمكن أن نعد حروف المد عند ابن جني حركات طويلة -على نحو ما يرى المحدثون- وإن لم ينص على أنها حركات، فهذا مفهوم من كلامه (68) ، إذ أن الحركات والحروف تتفق في كل شيء مع فارق واحد هو الطول والقصر، ثم إن إشارة ابن جني إلى متقدمي النحويين تذكرنا بأن هؤلاء أدركوا ما وضحه وهذا ما نلاحظه إذا نظرنا في صنيع الخليل حين اخترع علامات الضبط التي ما نزال نستعملها إلى اليوم (إذ أخذ من حروف المد صورها مصغرة للدلالة عليها، فالضمة واو صغيرة في أعلى الحرف لئلا تلتبس بالواو المكتوبة - والكسرة ياء متصلة تحت الحرف، والفتحة ألف مبطوحة فوقه) (69) .

*وقد عد ابن جني الفتحة أولى الحركات وأدخلها في الحلق، وبعدها الكسرة ثم الضمة، فإذا بدأت الفتحة، وتصعدت تطلب صدر الفم والشفتين اجتازت في مرورها مخرج الياء والواو فجاز أن تشمها شيئًا من الكسرة أو الضمة، ومن هنا كانت ظاهرة الإمالة Inclination، وهي جنوح بالألف إلى الكسرة وظاهرة التفخيم Velaiarsation وهي جنوح بالألف إلى الضمة، والإمالة والتفخيم في الألف عنده حرفان مستحسنان يؤخذ بهما في القرآن الكريم وفصيح الكلام، معنى هذا أن ابن جني عرف الحركات الفرعية، ونص على هذا بوضوح فقال: (وهناك حركات فرعية أخرى كالتي بين الفتحة والكسرة والتي بين الضمة والكسرة ومحصولها على الحقيقة ست حركات) فإذا نظرنا إلى الحركات بمنظار المحدثين رأيناها في العربية ثلاثًا في الوظيفة والتمييز بين المعاني، ولكنها في النطق تسع، ذلك أن كل حركة يصيبها التفخيم أو الترقيق، وقد تكون في مرتبة متوسطة بينهما، وإذا عددنا حروف المد حركات طويلة كان لنا من كل حركة ست صور ويصبح مجموع الحركات عندئذ ثماني عشرة (70) وواضح أن التفخيم أو الترقيق للحركة أو نطقها بين بَين لا يؤثر في المعاني إنما هي صور نطقية، والمهم فيما نحن فيه أن ابن جني تنبه على طرائق نطق الصوائت، وذكر صعوبة النطق في بعضها، فلو تكلفت مثلًا أن تشم الكسرة أو الضمة رائحة الفتحة لاحتجت إلى الرجوع إلى أول الحلق، وفي هذا مشقة.

*بقي أن نشير إلى رأي ابن جني في قضية خلافية قديمة هي: ترى ما السابق الحرف أم الحركة؟ وقد رأى بعض العرب أن السابق هو الحركة. ووقف آخرون موقفًا وسطًا فقالوا بأنهما يحدثان معًا، أما ابن جني وقبله سيبويه، فقد رأيا أن موضع الحركة من الحرف بعده لا قبله، وهو رأي لم يحاول المحدثون أن ينقضوه لأن الأدلة والشواهد التي جاء بها ابن جني كانت قوية (71) .

2 -مخارج الأصوات:

رتب ابن جني الأصوات الصوامت حسب تتابع مواضع نطقها، وهي المخارج، من الحلق إلى الشفتين على النحو التالي:

ء ا هـ ع ح غ خ ق ك ج ش ي ض ل ر ن ط د ت ص ز س ظ ذ ث ف ب م و.

ثم قال (72) (فهذا هو ترتيب الحروف على مذاقها وتصعدها، وهو الصحيح. فأما ترتيبها في كتاب العين، ففيه خطل واضطراب ومخالفة لما قدمنا آنفًا مما رتبه سيبويه، وتلاه أصحابه عليه، وهو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت