الصفحة 13 من 19

سابقة لرموز الحركات (60) .

*ولعل في طليعة ما يهمنا من الحديث عن الأصوات الصامتة والصائتة طريقة الأقدمين في التمييز بينهما، فالخليل مثلًا وزع الحروف على مخارجها، ونسب كل مجموعة منها إلى مخرج كالحلق واللهاة واللسان والشفتين، ثم رتب الحروف في مدرج المخارج على نحو يشعر بإدراكه للفرق بين النوعين، فقد أتى بخمسة وعشرين حرفًا على نسق متصل في سلسلة واحدة، وسماها الحروف الصحاح، ثم أتبعها بمجموعة أخرى فيها حروف المد، ومعها الهمزة، وسماها هوائية، وإن كان أخطأ في موضع الهمزة، على ما يرى الدكتور كمال بشر (61) وفي تسميته لحروف المد بالهوائية أتى بأهم خاصة من خواص الحركات، وهي حرية مرور الهواء في حال النطق بها، فلا يقف في طريقها عائق، أو لا يتعلق بها شيء، حسب عبارته.

*أما ابن جني فيستوقفنا فصل في كتابه سر الصناعة دعاه (ذوق أصوات الحروف) ، فيه نقرأ قوله (62) (سبيلك إذا أردت اعتبار صدى الحرف أن نأتي به ساكنًا لا متحركًا، لأن الحركة تقلق الحرف عن موضعه ومستقره، وتجتذبه إلى جهة الحرف التي هي بعضه، ثم تدخل عليه همزة الوصل مكسورة من قبله، لأن الساكن لا يمكن الابتداء به، فنقول اك، اق، اح، وكذلك سائر الحروف، إلا أن الحروف أشد حصرًا للصوت من بعضها، ألا تراك تقول في الدال والطاء واللام اد، اط، ال، ولا تجد للصوت منفذًا هناك .. ) .

*يعتمد ابن جني في ذوقه للحروف هنا على أساس اعتمده قبله الخليل، وفي قوله هذا نلاحظ إدراكه الواضح لأهم ما يميز الحروف الصامتة من الصائتة، فالأولى قد يقف هواؤها وقوفًا تامًا (فلا تجد للصوت منفذًا هناك، والثانية(حروف المد) يمتد فيها الهواء في مجراه ويستمر في الامتداد لا يمنعه شيء حتى ينتهي بانتهاء نطق الصوت نفسه، يتابع فيقول (فإن اتسع مخرج الحرف حتى لا يقتطع الصوت عن امتداده واستطالته استمر الصوت ممتدًا حتى ينفد .. فيفضي حسيرًا إلى مخرج الهمزة، فينقطع بالضرورة عندها إذ لم يجد منقطعًا فيما فوقها، والحروف التي اتسعت مخارجها ثلاثة الألف ثم الياء ثم الواو) ، وينبه الدكتور إبراهيم أنيس على أن طريقة ابن جني والخليل في ذوق الحروف لا تتحقق فيها الدقة التامة فيقول (63) (يجب الاحتراز في اختبار الصوت المجهور من الإتيان قبله بألف وصل، كما كان يفعل القدماء من علماء الأصوات، لأن الصوت حينئذ لا يتحقق فيه الاستقلال الذي هو أساس التجربة الصحيحة) .

*على أن الفرق بين الصوت الصامت والصائت يبدو على نحو أوضح عند ابن جني في تصوير بارع ودقيق، عند مقارنته جهاز النطق عند الإنسان بالناي والعود، وقد ذكرنا هذا التصوير قبلًا، ونجتزئ منه هنا قوله (64) (وقد شبه بعضهم الحلق والفم بالناي، فإن الصوت يخرج فيه مستطيلًا أملس ساذجًا، كما يجري الصوت في الألف غفلًا بغير صنعة، فإذا وضع الزامر أنامله على خروق الناي المنسوقة، وراوح بين أنامله اختلفت الأصوات. وسمع لكل خرق منها صوت لا يشبه صاحبه، فكذلك إذا قطع الصوت في الحلق والفم باعتماد على جهات مختلفة كان سبب استماعنا هذه الأصوات المختلفة) ، وهنا يميز ابن جني بين الصامت والصائت تمييزًا يوافق ما تجري عليه الدراسات اللغوية المعاصرة فهذا الصوت المستطيل الأملس هو الصائت الذي لا يعترضه عائق، وذلك الذي اعترضه ما يقطع امتداده هو الصوت الصامت، ويسمي ابن جني الصامت صحيحًا والصائت حرف مد واستطالة فقد قال (65) (جميع الحروف صحيحة إلا الألف والياء والواو اللواتي هن حروف المد والاستطالة .. إلا أن الألف أشد امتدادًا وأوسع مخرجًا) ، وفي نطق هذه الألف خاصة تتوضح ظاهرة حرية مرور الهواء وانطلاقه.

*ولم يكتف ابن جني بمجرد التمييز بين الصامت والصائت، بل تحدث عن الصوائت حديثًا خاصًا، وأدرك نوعًا من العلاقة يقوم بين الحركة وحروف المد يتوضح في النص التالي الذي يستوقف النظر (اعلم أن الحركات أبعاض حروف المد واللين، وهي الألف والياء والواو، فكما أن هذه الحروف

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت