الصفحة 12 من 19

وعشرين حرفًا، ويجعل أولها الباء، ويدع الألف من أولها، ويقول هي همزة، ولا تثبت على صورة واحدة، وليست لها صورة مستترة، فلا أعتدها مع الحروف التي أشكالها محفوظة معروفة، وهذا الذي ذهب إليه أبو العباس غير مرضي عندنا)، وقد رأى ابن جني أن انقلاب الهمزة في بعض أحوالها لعارض يعرض لها لا يخرجها عن كونها حرفًا، وهي عنده ألف، وأتى على هذا بأكثر من دليل، ووضعها قبل الباء في ترتيب الحروف، ذلك أنها إذا وقعت أولًا كتبت ألفًا، ولا بد من تحقيقها، فنقول أَخَذَ وإبراهيم، ثم إن كل حرف سميته تجد في أول تسميته لفظه بعينه، فنقول جيم وأول هذه الكلمة لفظ الجيم نفسها، وكذلك إذا قلت ألف، فأول الحروف التي نطقت بها همزة (56) ولقد تحدثنا عن موضع الهمزة لصلتها بما نحن فيه من حديث عن الناحية الصوتية، وسنرى أن لهذا الموضع أهميته في ترتيب الحروف عنده.

*وقد صنف ابن جني الحروف تصنيفات عدة سنتحدث عنها فيما يلي واحدًا بعد آخر، وقبل ذلك نحب أن نشير إلى أمر يذكره المحدثون اليوم هو (يعتمد تصنيف الأصوات اللغوية من الناحية الفيزيولوجية أو النطقية على المعرفة الدقيقة بأعضاء النطق، وعلى الفهم العلمي لعملية الكلام، ولذا يفيد البحث الصوتي من علم التشريح في التعريف بأعضاء النطق، ومن علم الفيزيولوجيا في معرفة وظائف هذه الأعضاء، وكيفية قيامها بهذه الوظائف) (57) ، ولننظر الآن في تصنيفات ابن جني للأصوات، فسنرى أنه اعتمد فيها على هذين الأمرين.

1 -الصوامت والصوائت:

يميز المحدثون اليوم بين نوعين من الأصوات تبعًا لوضع الوترين الصوتيين في الحنجرة، وطريقة مرور الهواء من الحلق والفم أو الأنف، وهي عندهم صامتة وصائتة، فالصامت ( Consonant) هو الصوت الذي (يضيق عند صدوره مجرى الهواء فيسمع له صفير أو حفيف أو ينحبس لحظة فيسمع له انفجار مثل ص، ف، ومثل، ب، ك) . أما الصائت ( Vowel) فهو الصوت الذي (ينتج عن اهتزاز الحبلين الصوتيين دون قفل أو تضييق أو انسداد نسبي في منطقة جهاز النطق أعلى المزمار) (58) . والأصوات الصامتة في اللغة العربية هي ما سماه العرب بالحروف، وعددها ثمانية وعشرون وهي همزة القطع والباء والتاء والثاء والجيم والحاء والخاء والدال والذال والراء والزاي والسين والشين والصاد والضاد والطاء والظاء والعين والغين والفاء والقاف والكاف واللام والميم والنون والهاء والواو في نحو (ولد - يوم) والياء في نحو (يلد، بيت) ، أما الأصوات الصائتة فهي الحركات الثلاث المعروفة، فإذا طالت كانت منها حروف المد الألف في نحو قال، والياء في نحو الراعي، والواو في نحو يدنو.

*وقد أطلق العرب على الصامت اسم الساكن والصحيح، وعلى الصائت أسماء حروف المد أو حرف العلة أو حرف اللين، ولكن منهم من جرى على استعمال المصطلحين صائت ومصوت في الدلالة على الحركات، فابن جني مثلًا سمى حروف المد - وهي حركات طويلة - بالحروف المصوتة، إلى جانب تسميتها بحروف المد واللين فقال (59) (الحروف الممطولة هي الحروف الثلاثة اللينة المصوتة، وهي الألف والياء والواو. اعلم أن هذه الحروف أين وقعت، وكيف وجدت، بعد أن تكون سواكن يتبعهن بعضهن غير مدغمات، ففيها امتداد ولين ونحو قام وسيربه وحوت وكوز وكتاب وسعيد وعجوز) .

*وما يعنينا هنا أكثر من التسمية والمصطلحات هو أن العرب اعتنوا بالصوامت والصوائت في آن معًا، وعرضوا لمميزاتها الصوتية على نحو يتقن - بوجه عام - مع ما حدده علماء الأصوات المحدثون، ومنهم من فرّق بين الصوائت الطويلة والقصيرة، ولكنهم أولوا الأصوات الصامتة عناية خاصة، ووجهوا إليها معظم جهودهم وبحوثهم الصوتية، فنظروا فيها من حيث مخارجها وصفاتها المختلفة، وإن لم يقدموا لنا تعريفًا علميًا لها، ويعود اهتمامهم الملحوظ بالصوامت إلى نظرية الأصول عند علماء العربية، فأصول الكلمات أصوات صامتة، وإلى وجود رموز مستقلة للحروف

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت