ثلاثي الأجزاء، أي أن له جانب التسمية التي يعرف بها كالألف والهمزة والباء ونحو ذلك، وجانبًا مسموعًا هو صوت الحرف، وجانبًا مقروءًا هو رمزه الكتابي، لكنه بالإضافة إلى هذا، ميز بين الصوت والحرف، فقال في تعريف الأول (46) (الصوت عرض يخرج مع النفس مستطيلًا حتى يعرض له في الحلق والفم والشفتين مقاطع تثنيه عن امتداده واستطالته) ، والصوت على هذا التعريف عام يشترك فيه الإنسان الناطق والحيوان الأعجم، لأن الاثنين يملكان هذه الأعضاء التي ذكرها، أما الحرف عند ابن جني فهو (47) (حد منقطع الصوت وغايته مطرفه) ، وهو من مادة حرف التي يراد بها حد الشيء وحدته، وقد سمى المقطع حرفًا أيضًا، وهو ما يعرض للصوت فيثنيه عن امتداده كما مر (فيسمى المقطع أينما عرض له حرفًا) ، والمعروف أن المقطع هو مخرج الحرف لا الحرف، فتسمية ابن جني لا تستقيم إلا على ضرب من المجاز (48) .
*ونلاحظ أن ابن جني يقرن أحيانًا الحرف بالصوت، ففي أول كتابه سر الصناعة ذكر علم الأصوات، والحروف، وعنون أحد أبوابه بذوق أصوات الحروف، كما ذكر أن بعض الحروف أشد حصرًا للصوت، وقال مثلًا (49) (قد نجد من الحروف ما يتبعه في الوقف صوت، وهو مع ذلك ساكن، وهو الفاء والثاء والسين والصاد ونحو ذلك، وتقول في الوقف اف، اث، اس، آص) والأغلب أن يكون الصوت هنا بمعنى الهواء، كما يرى الدكتور كمال بشر (50) . والمهم في الأمر أن الأمثلة السابقة يفهم منها أن الحرف غير الصوت.
*ولكن ابن جني قد يستخدم كلمة الصوت والحرف في معنى واحد، إذ ناوب بينهما في حديثه عن الإدغام، فذكر تقريب الصوت من الصوت، ثم عاد فذكر تقريب الحرف من الحرف، وقد يستخدم كلمة الصوت في معنى الحركة، كما فعل عند حديثه عن الإمالة، وعن كسر الشين والباء في نحو شِعير وبِعير، ويقترب هنا من استخدام المحدثين لهذه الكلمة. بل إنه استخدم كلمة الصويت، في خلال حديثه عن الصوت حين يدخل في تشكيل البنية، فإذا وقفنا على بعض الحروف بساكن تبع الحرف صويت كما في اح وآص، وهو صويت يضعف ويتضاءل للحس، على حد تعبيره إذا ما قلت يحرد ويصبر ونحوها (51) ، والصويت هنا يغلب أن يكون مساويًا لما يسميه المحدثون الاحتكاك، على رأي الدكتور بشر.
*وهكذا نرى أن ابن جني عرف مصطلحي الصوت والحرف معًا، وإن كان عنده بعض اضطراب وتداخل في استعمالهما، ولكن الغالب على درسه الصوتي، كما يتضح لمتابعه، استعماله كلمة الحرف يعني بها الصوت، كما فعل سابقوه، ونرى هذا خاصة في مقدمة كتابه سر الصناعة إذ قال متحدثًا عن مضمونه (52) (أذكر أحوال هذه الحروف [حروف المعجم] في مخارجها ومدارجها، وانقسام أصنافها، وأحكام مجهورها ومهموسها، وشديدها ورخوها، وصحيحها ومعتلها، ومطبقها ومنفتحها، وساكنها ومتحركها، ومضغوطها ومهتوتها(53) ، ومنحرفها ومشربها ومستويها ومكررها، ومستعليها ومنخفضها إلى غير ذلك من أجناسها)، فكلامه هذا واضح الدلالة على أنه يقصد من كلمة الحروف الأصوات، آية هذا أنه ذكر صفات، هي للصوت المنطوق لا للرمز المكتوب، ويجدر بنا أن نشير هنا إلى أن أكثر هذه الصفات ما يزال معروفًا في الدرس الصوتي الحديث، أما أصحاب هذا الدرس فيميزون بين الصوت والحرف على نحو واضح، قد يختلف بعض الشيء عن تمييز الأقدمين بينهما، وبين الاثنين عندهما، فروق تتصل بمفهوم الفونيم الذي سنشير إليه في مقبل الحديث (54) .
5 -الأصوات مفردة وتصنيفاتها:
*عدة الحروف عند ابن جني تسعة وعشرون، كما هي عند أكثر اللغويين العرب.
قال في سر الصناعة (55) (اعلم أن أصول حروف المعجم عند الكافة تسعة وعشرون حرفًا، فأولها الألف وآخرها الياء على المشهور من ترتيب حروف المعجم، إلا أبا العباس، فإنه كان يعدها ثمانية