الصفحة 10 من 19

النطق.

*ونشير أولًا إلى أن ذكر كلمة بعضهم في قول ابن جني يوحي بأن تشبيه الحلق والفم بالناي، ليس من صنعه، وأغلب الظن أنه للخليل، فقد عرف عنه اشتغاله بالموسيقا وإتقانها. وكثيرًا ما أورد ابن جني آراءه في كتبه (39) ولكنه تشبيه بارع كبراعة تشبيه الحلق بوتر العود، وفي القول ذكر أن الحلق يكون صلبًا ورخوًا، ولصلابته أو رخاوته أثر فيما ينطق من أصوات، ومن المعروف اليوم أن في الفم حنكًا صلبًا ثابتًا لا يتحرك، وحنكًا لينًا قابلًا للحركة، قد يرفع أو يخفض فيغير في الأصوات (40) ، فلعل الحلق عنده يعني الحنك عند المحدثين، والمهم في الأمر أن ابن جني عرف أن الأصوات تختلف فيما بينها تبعًا لأوضاع أعضاء جهاز النطق، وأن من الأصوات ما تعترضه العوائق التي مثلها بأنامل الزامر على الناس أو أصابع ضارب العود على الوتر، وهي عند المحدثين عوائق الوترين الصوتيين واللسان وغير ذلك.

*وينبغي أن نتنبه إلى ما يقصده ابن جني بكلمة المقطع في قوله الذي نتحدث عنه، فليس المقصود منها ما نعنيه نحن اليوم من اجتماع صوتين أو أكثر، بل تعني - كما يفهم من كلام له -المكان الذي يعترض فيه الصوت عائق يمنعه عن جريه واستطالته، وفي هذا يقول (41) (اعلم أن الصوت عرض يخرج مع النفس مستطيلًا متصلًا حتى يعرض له في الحلق والفم والشفتين مقاطع تثنيه عن امتداده واستطالته) فالمقطع عنده إذن، هو مخرج الحرف كما في اصطلاح المحدثين، ويلاحظ هنا أيضًا إشارة ابن جني الواضحة إلى أن اعتراض الصوت في جريانه قد يكون في واحد من أعضاء النطق التي ذكرها.

*وابن جني لم يصف جهاز النطق على نحو ما يفعل المحدثون، بل اكتفى بالتشبيه الذي رأيت، وبذكر مختلف أعضاء هذا الجهاز في خلال حديثه عن مخارج الحروف، وهي الصدر والحلق والفم والخياشيم، فالصدر يساعد على إطلاق النفس المؤدي إلى إحداث الصوت، وليس مساويًا للأعضاء الأخرى، لأنه لا يضم مدارج الأصوات، وهو لا يذكره إلا نادرًا، أما الحلق فيتدخل تدخلًا مباشرًا في عملية النطق، كما أشرنا منذ قليل، وقد قسمه إلى أقصى الحلق وأوسطه وأدناه ولكل جزء مخارجه، وفرق بين أول الفم ووسطه ومقدمه، وفي الفم جملة أعضاء تنهض بالنطق فهناك اللسان الذي ميّز فيه أقصاه ووسطه وطرفه بالإضافة إلى حافتيه، وكان العرب قد خصوا كل قسم منه باسم خاص، وهناك الأسنان، ولها دورها الهام في النطق، وقد فرق ابن جني فيها بين الثنايا والرباعيات والأنياب والضواحك، وذكر الشفتين وهما تسهمان أيضًا في النطق وخاصة الشفة السفلى، وذكر الخياشيم التي تساعد على مخرج النون الخفيفة الساكنة (42) . ولكنه أغفل الحديث عن الوترين الصوتيين، كما فعل غيره من القدماء، والمحدثون يرون لهما دورًا كبيرًا في همس الأصوات أو جهرها، وفي نطق همزة القطع خاصة.

4 -الصوت والحرف:

لكلمة الحرف عند العرب القدماء معان كثيرة (43) ، وخاصة في مجال القراءات القرآنية، يعنينا منها هنا معنيان اثنان: الصوت المنطوق والرمز المكتوب، فبهذين المعنيين خاصة كان الحرف معروفًا عند العرب، وعند كثير من علماء أوربة لعهد قريب أيضًا (44) ، وإذا ما تكلم اللغوي العربي عن الحرف، فإنه لم يكن يعني إلا الصوت اللغوي، وإذا عنى رمزه المكتوب نبه على ذلك فقال مثلًا (أما صورة الحرف في الخط) أو (هذا موجود لفظًا وخطًا) أو نحوه (45) ففكرة الحرف هذه كانت مسيطرة على الدراسات اللغوية العربية، إلا أنها في العصور الإسلامية المتأخرة أصبحت تعني غالبًا الرمز الكتابي.

*ولكن الذي يعنينا من هذا مفهوم الحرف عند ابن جني، وهل فرق بينه وبين الصوت؟ وإذا كان فعل فماذا قال فيهما؟. نظر ابن جني إلى الحرف، كما نظر قبله الخليل وسيبويه، على أساس أنه عنصر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت