7 -نظرية الفصاحة في اللفظ المفرد ورجوعها إلى تأليفه من أصوات متباعدة المخارج.
*وقد ذكر ابن جني أن غرضه من الكتاب هو الحديث عن الحروف، أي الأصوات، منفردة، لا على أساس أنها مؤلفة لأن الحديث عند ذاك يطول كثيرًا، ويقود إلى استيعاب جميع اللغة، ودراسة الأصوات على هذا النهج يسميها علمًا، لكن هذا لا يعني أنه لم يدرس الأصوات في حالة اجتماعها، بل قد فعل ذلك في ثنايا كتبه وخاصة كتابه الأشهر الخصائص، وهذا ما سيتضح في مراحل البحث التالية.
3 -جهاز النطق:
يصدر الأصوات اللغوية جهاز في الإنسان يسمى تجوُّزًا بجهاز النطق Organs of Speech ذلك أن النطق وظيفة ثانوية له، ساعدت على خلقها الضرورة الاجتماعية والذكاء الإنساني، وهذا الجهاز مكوّن من جملة من الأعضاء أكثرها ثابت وهي الأسنان واللثة والغار والجدار الخلفي للحلق، وبعضها قابل للحركة وهي الشفتان، والأسنان والفك الأسفل والطبق، وفيه اللهاة والحنجرة والأوتار الصوتية (36) .
*ولو تتبعنا رحلة الصوت منذ خروجه من الرئتين، لرأيناه - باختصار - يسير في مجرى القصبة الهوائية. وفي أعلاها وأسفل الفراغ الحلقي تستقبله الحنجرة، فيمر بالوترين الصوتيين، ثم يخرج إلى فراغ الحلق، فيلتقي باللسان والحنك، ثم يمر بعدهما بالشفتين خارجًا من الفم.
*والنطق (عملية مركبة بمعنى أن الصوت لا يتكون إلا بعدة عمليات متكاملة. فلا تكفي استدارة الشفتين لنطق الصوت ومجرد وضع اللسان في أي موضع من الفم لا يكفي لنطق أي صوت، ولذا فهناك مقومات أساسية لنطق الأصوات اللغوية) (37) . ويتحكم في الصوت عدة أعضاء في جهاز النطق كالوترين الصوتيين واللسان ومناطق التقائه بالحنك في مقدمه أو وسطه أو أقصاه، وكالتقائه بالأسنان، كما أن لوضع الشفتين دورًا هامًا في نوع الأصوات وصفاتها، وللتجويف الأنفي دوره أيضًا في نطق بعض الأصوات وغير خاف، بعد هذا، أن النطق يختلف من إنسان لآخر، كما يختلف من قوم لآخرين تبعًا لظروف عقلية ونفسية واجتماعية، ليس هنا مجال بحثها.
*هذا ما قرره المحدثون، ونصل إلى ابن جني لنرى ماذا قال في جهاز النطق، فيستوقفنا نص هام، يحسن أن نقرأه لنرى ما فيه (38) (وقد شبه بعضهم الحلق والفم بالناي، فإن الصوت يخرج فيه مستطيلًا أملس ساذجًا، كما يجري الصوت في الألف غفلًا بغير صنعة، فإذا وضع الزامر أنامله على خروق الناي المنسوقة وراوح بين أنامله، اختلفت الأصوات، وسمع لكل خرق منها صوت لا يشبه صاحبه، فكذلك إذا قطع الصوت في الحلق والفم باعتماد على جهات مختلفة كان سبب استماعنا هذه الأصوات المختلفة) .
*ثم يبين ابن جني في وضوح سر اختلاف الأصوات الخارجة من جهاز النطق، وكيف يتم هذا الاختلاف فيقول (ونظير ذلك أيضًا وتر العود، فإن الضارب إذا ضربه، وهو مرسل سمعت له صوتًا فإن حصر آخر الوتر ببعض أصابع يسراه أدى صوتًا آخر، فإن أدناها قليلًا سمعت غير الاثنين، ثم كذلك كلما أدنى إصبعه من أول الوتر تشكلت لك أصداء مختلفة، إلا أن الصوت الذي يؤديه الوتر غفلًا غير محصور تجده - بالإضافة إلى ما أداه وهو مضغوط محصور - أملس مهتزًا، ويختلف ذلك بقدرة قوة الوتر وصلابته وضغطه ورخاوته، فالوتر في هذا التمثيل كالحلق، والخفقة بالضرب عليه كأول الصوت من أقصى الحلق، وجريان الصوت فيه غفلًا غير محصور كجريان الصوت في الألف الساكنة، وما يعترضه من الضغط والحصر بالأصابع كالذي يعرض للصوت في مخارج الحروف من المقاطع، واختلاف الأصوات هناك كاختلافها هنا) . وهو بهذا يصف ميكانيكية