والنبي - صلى الله عليه وسلم - كره البيان السحري، وكره السلف الصالح التشقيق في الكلام، والغلو في الفصاحة به لأنه ليس شرط في الدعوة إلى الله تعالى، ولا يذم طالب العلم بترك ذلك. [1]
وإليك الدليل:
1)عَنْ أنسِ بنِ مالكٍ أنَّ عُمَرَ - رضي الله عنه - رأى رَجلًا يَخْطب فأكثرَ فقالَ عُمَرُ: (إنَّ كثيرًا من الخُطبِ مِنْ شَقَاشِقَ الشَّيطان) .
أثر صحيح
أخرجه ابن عبدالبر في جامع بيان العلم (ج2 ص987) وابن وهب في الجامع في الحديث (ج1 ص438) وابن أبي الدنيا في الصمت (ص112) وفي الغيبة (ص31) والبخاري في الأدب المفرد (ص293) والبغوي في شرح السنة تعليقًا (ج12 ص364) من طرق عن حُمَيْد أنه سمع أنسًا به.
قلت: وهذا سنده صحيح.
ويشهد له ما أخرجه أحمد بن حنبل في المسند (ج2 ص94) وابن وهب في الجامع في الحديث (ج1 ص433) وأبو نعيم في الحلية (ج3 ص224) من حديث ابن عمر قال: (( قَدِمَ رجلان من المَشْرق خطيبان على عهدِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ، فقامَا فتكلما، ثم قعدا، وقامَ ثابتُ بن قَيس خطيب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتكلَّم، ثم قعد، فَتَعجّبَ النّاسُ من كلامِهم فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (( يا أيّها النَّاسُ، قولُوا بقولِكُم، فإنما تَشْقيق الكلام مِنَ الشَّيطان ) )وقال: (( إنّ من البيانِ سِحْرًا ) ). [2]
(1) وانظر فضل علم السلف على علم الخلف لابن رجب الحنبلي (ص21و24و38) .
(2) قوله - صلى الله عليه وسلم - (إن من البيان سحرًا) يعني إن منه لنوعًا يحل من المعقول والقلوب في التمويه محل السحر... فإن الساحر بسحرة يزين الباطل في عين المسحور حتى يراه حقًا، فكذا المتكلم بمهارته في البيان، وتقلبه في البلاغة وترصيف النظم، يسلب عقل السامع، ويشغله عن التفكير فيه والتدبر، حتى يخيل إليه الباطل حقًا والحق باطلًا، فتستمال به القلوب كما تستمال بالسحر.
وانظر فتح الباري لابن حجر (ج10 ص337) وإرشاد الساري للقسطلاني (ج12 ص571) وعمدة القاري للعيني (ج17 ص426) وتهذيب السنن لابن القيم (ج7 ص292) .