وحينما ظهرت الحركة الصهيونية، كانت بعض اشكال القيادة التقليدية لا تزال سائدة برغم تزايد تحديث اعضاء الجماعات اليهودية ودمجهم في مجتمعاتهم. ولا يمكن فهم سلوك الزعامات الصهيونية في شرق أوربا الا في ضوء هذه الحقيقة. وقد كانت منظمات احباء صهيون منظمات حديثة تنطلق من مفاهيم حديثة مثل تطبيع الشخصية اليهودية وحل المسألة اليهودية عن طريق الاستعمار. ولكن، ورغم ان المفكرين الصهيونيين ليو بنسكر (1812 ـ 1891) وموشيه ليلينبلوم (1814 ـ 1898) تلقيا تعليمًا علمانيًا، فانهما حينما بدأ في التحرك اتبعا النمط التقليدي فطلبا الى الحاخام صمويل موهيليفر (1824 ـ 1898) ان يتوجه الى المليونير الالماني اليهودي سمسون روفائيل هيرش (1808 ـ 1818) والمليونير الفرنسي اليهودي ادمون جيمس وروتشيلد (1845 ـ 1934) ليطلب منهما تقديم المساعدة لمشروعهما الاستيطاني، أي انهما توجها للوسيط (شتدلان) التقليدي (الحاخام) الذي يتوجه الى الثري حتى يتوسط لدى الحكومات المعنية وحتى يزودهما بالدعم المالي الذي يريدانه. وظلت الحركة الصهيونية قابعة داخل هذه الرؤية الضيقة، الى ان جاء تيودور هرتزل (1860 ـ 1904) الصحفي النمساوي اليهودي ومؤسس المنظمة الصهيونية وحدث الحل الصهيوني فخرج به من الاطار اليهودي التقليدي وتخطى الوسطاء التقليديين وطرح المسألة في اطار استعماري غربي لا علاقة له باشكال القيادة التقليدية المألوفة لدى اليهود فتوجه الى الدول الغربية الاستعمارية. ولذا، فقد نجح هرتزل فيما فشل فيه احباء صهيون ويهود شرق أوربا، فأسس المنظمة الصهيونية العالمية التي اصبحت الوسيط المباشر بين اعضاء الجماعات اليهودية والقوى الامبريالية، وظل مهيمنًا عليها تمامًا حتى موته.