وقد ظن صهاينة الغرب ان هيمنتهم على المنظمة ستستمر وان صهاينة الشرق سيستمرون في تلقي الاوامر والاذعان لها. لكن، بعد موت هرتزل بفترة قصيرة، استولى صهاينة شرق اوربا على المنظمة على اساس ان الكثافة السكانية اليهودية تتركز في بولندا وروسيا، وعلى اساس انهم اولى بالتعبير عنها وعن مصالحها، وخصوصًا بعد ان تعلموا الدرس من هرتزل وتجاوزوا الاطار اليهودي المحض واتصلوا بالقوات الاستعمارية الغربية.
ويعد وعد بلفور الشكل الجديد الذي يحدد العلاقة بين الجماعات اليهودية والحضارة الغربية حيث قامت الزعامة الصهيونية بدور الشتلان او الوسيط الحديث، فعرضت تهجير فائض اوربا من اليهود الى فلسطين تخلصًا منهم، ولتأسيس قاعدة للاستعمار الغربي، على ان يقوم الغرب بحمايتهم في المقابل. وقد قبل الغرب هذه الرؤية، وتم توقيع وعد (عقد) بلفور في هذا الاطار، حيث يقوم اليهود تحت زعامة الحركة الصهيونية بتصريف أمورهم الدينية باستقلال كامل، وتصريف أمورهم الادارية والسياسية المحلية في المستوطن الصهيوني، على ان يتحرك الجميع في اطار المصالح الامبريالية الغربية. وهذا الوضع لا يختلف في اساسياته عن وضع الجماعات اليهودية داخل اطار الامبراطوريات القديمة. ولذا، تم القضاء على المعارضة اليهودية للصهيونية أو كبح جماحها واستولت الصهيونية على الجماهير اليهودية من خلال الضغط (من فوق) أي من جهة الدولة الامبريالية الراعية. ومن الامور التي تستحق التأمل والدراسة ان معظم كبار المفكرين من اعضاء الجماعات اليهودية لا ينضمون الى الحركة الصهيونية وهو ما يعني ان قيادة الجماعات اليهودية قد سقطت في يد صغار المفكرين الصهاينة الذين لا يتمتعون بأية آفاق فكرية فسيحة او رؤى تاريخية عميقة.