الأولى: أن يقع هذا الصلح بلفظ الجناية, أو الجراحة وما يحدث منها, وهذا الصلح جائز ونافذ سواء برئ المجني عليه أو مات من هذا الشج أو الجرح.
وذلك لما ورد في حديث عائشة ـ المتقدم ـ في قصة أبي جهم [1] .
ـ ولأن الصلح هنا وقع عن حق ثابت للمجني عليه فيصح.
ـ ولأن المجني عليه أسقط حقه بعوض فيصح ذلك الصلح [2] .
الصورة الأخرى: إذا لم يكن الصلح بلفظ الجراحة وما يحدث منها, بأن كان عن الجرح فقط, ومات المجني عليه من سراية ذلك الجرح-أما إذا برئ فهي داخلة في الصورة الأولى- فقد اختلف الفقهاء في ذلك على قولين:
القول الأول: أن الصلح يبطل إذا مات المجروح. وهذا قول أبي حنيفة ـ رحمه الله ـ وقال إن القصاص يلزم الجاني في القياس, وفي الاستحسان عليه الدية من ماله [3] .
وبهذا قال المالكية أيضًا إلا أنهم قالوا: إذا سرى فللأولياء أن يقسموا ويقتلوا ويُرد المال, ويبطل الصلح. وإن أبوا أن يقسموا فلهم المال الذي اصطلحوا عليه في الجرح [4] .
ولزوم الدية هنا قول للشافعية أيضًا [5] .
القول الآخر: أن الصلح صحيح ولو مات المجروح. وهذا قول أبي يوسف ومحمد وهو ظاهر المذهب عند الحنابلة [6] .وقد استدل أبو حنيفة بدليل عقلي فقال: إن المجني عليه إنما أسقط بالصلح قطعًا أو شجة أوجبت له قصاصًا من الجاني وبالموت يتبين أن الواجب للمجني عليه هو القصاص في النفس من الجاني لا القطع أو الشج, فكان إسقاطًا لما ليس بحق للمجني عليه فيكون باطلًا, ولهذا كان على الجاني القصاص في النفس في القياس ولكنه ـ رحمه الله ـ استحسن فقال يتمكن فيه نوع شبهة من حيث إن أصل القتل كان هو الشجة, والقصاص عقوبة تندرئ بالشبهات, ولكن المال يثبت مع الشبهات.
أما القول الآخر فدليلهم: أن المجروح قد أسقط الحق الواجب له بسبب الجراحة وذلك بالمصالحة, وبعد موت المجروح فإن سبب حقه الجراحة كما بعد البرء فيكون ذلك الصلح صحيحًا. ويتخرج على هذه الصورة أيضًا ما إذا صالحه على نوع من الجراح فسرى الجرح إلى أكبر منه كما لو شجه موضحة فصالحه عليها فصارت منقلة فللمجني عليه أرش المنقلة [7] .
ومن أجل هذا الخلاف احتاط بعض الفقهاء فمَنع الصلح إلا بعد برء الجرح واندماله. كما جاء في بعض كتب المالكية [8] .
(1) تقدم الحديث ص4.
(2) بدائع الصنائع7/ 249,والمبسوط21/ 10,وحاشيةالدسوقي 3/ 317, وروضة الطالبين 4/ 194, والمحلى 6/ 372.
(3) المبسوط 21/ 9, وبدائع الصنائع 7/ 249.
(4) حاشية الدسوقي 3/ 318, وشرح الخرشي 7/ 28.
(5) المهذب 2/ 190.
(6) المغني 9/ 473.
(7) المبسوط 21/ 10, والفتاوى السعدية ص582.
(8) انظر: البيان والتحصيل 16/ 186, 15/ 505, وحاشية الدسوقي 3/ 319.