قصاصًا صلاحٌ للمجتمع بأسره, فليتنبه أصحاب الجاه والمال لهذه المسألة كي تكون مساعيهم في سبيل الخير والإصلاح. والله الموفق.
المطلب الثالث:
الصلح مقابل الحصول على مصلحة أو منفعة:
يجوز أن يقع الصلح عن القصاص مقابل مصلحة أو منفعة إذا كانت تلك المصلحة أو المنفعة معلومة وتصلح صداقًا؛ لأنها إذا كانت كذلك فيجوز استحقاقها عوضًا في الصلح عن الأموال ففي الصلح عن القصاص من باب أولى. وهذا بلا خلاف بين الفقهاء [1] .
فلو صالح الأولياء الجاني على سكنى دار, أو خدمة عبد مقابل القصاص جاز.
أو صالحوه على أن يسقط عنهم قصاصًا لآخر جاز أيضًا. والله أعلم.
المطلب الرابع:
الصلح مقابل مغادرة الجاني أرض الجناية أبدًا أو إلى مدة:
قد يقع الصلح عن دم العمد بشرط أن يرتحل الجاني عن بلد أولياء الدم نهائيًا فلا يعود إليها, أو بأن يرتحل مدة محددة من الزمن يحددونها له, فإن عاد فمن حقهم أن يقتصوا إن كان بعد ثبوت الدم أو يعاودوا الخصومة إن كان قبل ثبوت الدم. ولم أجد فيما توصلت إليه من تكلم عن هذه الصورة من الصلح إلا فقهاء المالكية ـ على تفصيل في مذهبهم ـ وشيخ الإسلام ابن تيمية, ومن المعاصرين سماحة مفتي الديار السعودية الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمهم الله.
فإذا التزم القاتل أنه إن عاد للبلد فلهم القود أو الدية ثم لم يرتحل بعد الاتفاق أو ارتحل ثم عاد, وكان الدم قد ثبت كان لهم القود في العمد, فإن لم يثبت الدم كان لورثة المقتول الحق في المخاصمة من جديد ولا يكون الصلح قاطعًا لخصومتهم لانتقاضه بعدم رحيله, أو عوده بعد رحيله قبل المدة التي حددت له. فالشرط جائز والصلح لازم على هذا القول.
وذلك لما يأتي:
أولًا: أن المسلمين على شروطهم وإذا رضي الأولياء والجاني بهذا الشرط فلا محذور فيه [2] .
ثانيًا: أن الأولياء لهم أن يصالحوا الجاني على عوض مالي أو منفعة أو مصلحة ـ كماتقدم ـ وقد يكون في رحيل الجاني مصلحة وهوحق رضوا بإسقاطه مقابل هذا لشرط الذي رضي الجاني بالتزامه فلامحذورفي ذلك.
ثالثًا: إذا لم يف بهذا الشرط فلهم الرجوع عليه كما لو لم يؤد العوض المتفق عليه بينهم.
(1) مبسوط 21/ 12, المدونة 4/ 460, ومغني المحتاج 4/ 52, والمقنع 2/ 127, والمحلى 6/ 474.
(2) بلغة السالك 2/ 151, وحاشية الدسوقي 4/ 263, والاختيارات الفقهية 293, ومختصر الفتاوى المصرية 592, ومجموع فتاوى ابن تيمية 34/ 157, وفتاوى ابن إبراهيم 11/ 288.