المبحث الأول
الصلح في الجناية على النفس عمدًا:
المطلب الأول: الصلح على مال من جنس الدية:
جنس الدية فيه خلاف بين الفقهاء: فأبو حنيفة ومالك والشافعي في القديم على أن الدية تجب في الإبل أو الذهب أو الفضة ويجزئ دفعها من أي نوع.
وأما الصاحبان وأحمد فعلى أنها تجب من ستة أجناس وهي: الإبل والذهب والفضة والبقر والغنم والحلل. والخمسة الأولى هي أصول الدية عند الحنابلة.
وذهب الشافعي في الجديد إلى أن الواجب الإبل أو قيمتها إن لم توجد.
وهذا القول الأخير هو الراجح وهو اختيار الخرقي والموفق ابن قدامه وأئمة الدعوة في نجد [1] .فإذا تحقق القتل العمد الموجب للقود فإنه يجوز للأولياء في هذه الحالة أن يتصالحوا مع القاتل على مال من جنس الدية مقابل القصاص فإذا تم الصلح سقط القصاص ووجب المال المصالح عليه قليلًا كان أو كثيرًا. أما إن وقع الصلح على الدية أو أقل منها من جنسها فلا خلاف في جوازه [2] .وأما إن وقع على أكثر من الدية من جنسها كأن تصالحوا على مائتي بعير مثلًا فهذا جائز عند الجمهور خلافًا للشافعية حيث منعه بعضهم [3] .
والصحيح ال جواز إن شاء الله لقوة أدلة الجمهور وصراحة بعضها في محل النزاع وبسط الأدلة يطول وهي في مظانها المنوه عنها أدناه.
المطلب الثاني:
الصلح على مال من غير جنس الدية:
يجوز لولي الدم أن يتصالح مع القاتل عن القصاص على مال من غير جنس الدية من سائر الأموال والعروض إلا أنه يشترط القبض في المجلس إذا كان ما وقع عليه الصلح دينًا في الذمة كيلا يكون افتراقًا عن كالئ بكالئ وسواء كان هذا الصلح على قدر الدية أو أقل أو أكثر كل ذلك جائز بلا خلاف بين الفقهاء بالقليل والكثير. وإنما جازت هذه الصورة على الإطلاق لأن الدية في جناية العمد غير متقررة وإنما هي بدل عن القصاص فلا مدخل للربا هنا وإنما الأمر مبني على مصالحة الطرفين بتراضيهما [4] .
ولكن ينبغي التأني والتأمل في الصلح على أكثر من الدية ولينظر هل فيه مصلحة أو أنه مجرد عواطف وانفعالات للإبقاء على نفس الجاني فإن كان عضوًا صالحًا في مجتمعه ولم يعهد عليه سوء فلا بأس بالسعي في بذل المزيد, أما إن كان من أرباب السوابق والإفساد في الأرض كما هو حال كثير من القَتَلة فلا ينبغي التدخل في الإصلاح مقابل الأموال الطائلة التي لو صرفت على الفقراء لأغنت كثيرًا منهم وقد يكون في قتل هذا الجاني
(1) بدائع الصنائع 7/ 253, وبداية المجتهد 2/ 401, ومغني المحتاج 4/ 53 والمغني مع الشرح 9/ 482.
(2) مغني المحتاج 4/ 50, والمغني مع الشرح 9/ 478.
(3) بدائع الصنائع 6/ 49, والمبسوط 21/ 9, وبلغة السالك 2/ 351, وشرح الخرشي 8/ 27, والمحلى 6/ 471, ومغني المحتاج 4/ 50, والإنصاف 10/ 4, والفروع 4/ 270, 5/ 668.
(4) بدائع الصنائع 7/ 250, تبيين الحقائق 6/ 113, شرح الخرشي 8/ 27, وروضة الطالبين 9/ 240, ومغني المحتاج 4/ 49, وشرح منتهى الإرادات 2/ 266, والمحلى 6/ 471.