ما جاء عن بن عباس ـ رضي الله عنه ـ في تفسير قوله تعالى: {فمن عفي له من أخيه شيء} قال: العفو أن يقبل الدية في العمد [1] .
قوله صلى الله عليه وسلم: (من قتل له قتيل فهو بخير النظرين إما أن يؤدي وإما أن يقاد) [2] .
وهذا القول الآخر هو الراجح لصراحة أدلته, ولأن الجاني مطالب بالإبقاء على نفسه, والدية مقدرة من قبل الشرع فوجب الانصياع لها.
وأما أدلة القول الأول فإنها صريحة في أن العمد يوجب القود, وإيجاب القود لا يقتضي عدم التخيير لأن التخيير ثابت بأدلة أخرى وبهذا يجتمع شمل الأدلة [3] .
ثانيًا: ما يصلح أن يكون بدلًا في الصلح ونوعه ومقداره.
الصلح يكون على بدل وهذا البدل له شروط وضوابط, وهناك شروط عامة لا بد أن تتوفر في بدل الصلح سواء في العمد أو الخطأ وهي:
أولًا: أن يكون البدل مالًا متقومًا, فإن كان غير متقوم أو نجسًا, أو لا يحل
الانتفاع به في حال السعة والاختيار فَسَد الصلح.
ثانيًا: أن يكون البدل معلومًا علمًا نافيًا للجهالة الفاحشة لأن تسليمه
واجب والجهل به يمنعه. أما الجهالة غير الفاحشة فلا تمنع.
ثالثًا: إذا كان البدل دينًا فيشترط له القبض في المجلس كي لا يكون افتراقًا عن كالئ بكالئ.
رابعًا: أن يكون البدل حقًا للمصالح وأن يكون حقًا ثابتًا في المحل أيضًا [4] .
أما فيا يتعلق بمقدار ما يتصالح عليه فيختلف في العمد عن الخطأ:
أما في العمد فإن الواجب القصاص والقصاص ليس بمال فله أخذ ما يريد سواء بقدر الدية أو أقل أو أكثر وليس في هذا خلاف بين العلماء إلا ما ذكره بعضهم فيما إذا كان الصلح على مال من جنس الدية والخلاف فيه ضعيف أيضًا [5] .
وأما جناية الخطأ فإن الواجب فيها الدية وهي مقدرة شرعًا فوقع الخلاف في جواز الزيادة على الدية لتأتي الربا هنا. وسيأتي الكلام عنه في البحث إن شاء الله.
(1) رواه البخاري في كتاب التفسير (فتح الباري 8/ 25) .
(2) متفق عليه وهذا لفظ البخاري في كتاب الديات (فتح الباري 12/ 213) .
(3) فتح الباري 12/ 214, والمغني 9/ 475, وشرح معاني الآثار 3/ 177.
(4) المقنع 2/ 127, تبيين الحقائق 5/ 36, وبدائع الصنائع 6/ 48, والإنصاف 5/ 247, والمبسوط 21/ 11.
(5) المغني 9/ 478.