فقالوا: القود يارسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لكم كذا وكذا. فلم يرضوا فقال: لكم كذا وكذا فلم يرضوا. فقال: لكم كذا وكذا فرضوا [1] .
ومن الإجماع: أجمعت الأمة الإسلامية على مشروعية الصلح عن دم العمد [2] .
ومن العقل: دل العقل على مشروعية الصلح في الجنايات من وجهين:
الأول: أن القصاص حق ثابت في المحل في حق الفعل فجاز أخذ العوض عنه كملك النكاح [3] .
الوجه الآخر: أن حق استيفاء القود قد يؤول إلى المال عند تعذر الاستيفاء فيصح إسقاطه بمال بطريق الصلح كحق الرد بالعيب. وهذا بخلاف حد القذف فإنه لا يؤول إلى المال بحال [4] .
الفصل الأول
التمهيد: في موجب الجناية العمدية, وما يصلح أن يكون بدلًا في الصلح:
أولًا: موجب الجناية العمدية:
اختلف الفقهاء في موجب القتل العمد على قولين:
القول الأول: أن موجب القتل العمد هو القصاص عينًا وعلى هذا فلا يُلزم الجاني بدفع الدية إن أرادها ولي الدم, فإما أن يقتص منه وإما أن يعفو مجانًا إن لم يرض الجاني بدفع الدية. وهذا رأي الحنفية والمالكية وقول للشافعية [5] .
القول الآخر: أن موجب القتل العمد أحد شيئين: القصاص, أو الدية فيختار ولي الدم أحدهما إما أن يقتص أو يأخذ الدية عن القصاص ويجبر الجاني على دفعها. وهذا رأي الحنابلة وبعض الشافعية والظاهرية وروي عن سعيد ابن المسيب وابن سيرين وعطاء ومجاهد وغيرهم. وهو رواية عن الإمام مالك رحمه الله [6] .
استدل أصحاب القول الأول بما يلي:
قوله: {كتب عليكم القصاص في القتلى} فذكر القصاص ولم يذكر الدية.
قوله صلى الله عليه وسلم: (من قتل عمدًا فهو قود) [7] .
فنص الحديث على أن العمد موجب للقود, وهذا يدل على إبطال التخيير.
واستدل أصحاب القول الآخر بما يلي:
(1) رواه أبو داود في كتاب الديات (4534) وابن ماجه في الديات (2638) , والنسائي في القسامة. وصحح الألباني إسناده (صحيح سنن النسائي 3/ 990) .
(2) تبيين الحقائق 6/ 98.
(3) تبيين الحقائق 5/ 35.
(4) المبسوط 21/ 9.
(5) اللباب شرح الكتاب 3/ 141, وبداية المجتهد 2/ 491, ونهاية المحتاج 4/ 49.
(6) الإنصاف 10/ 4, ومغني المحتاج 4/ 48, والمحلى 10/ 239.
(7) رواه الإمام أحمد في مسنده 1/ 63, وأبو داود في الديات 4/ 183, وابن ماجة 2/ 880 وصححه الألباني في صحيح الجامع 2/ 1101.