فقام إليه عبّادُ بن بشرٍ، وعمارُ بنُ ياسرٍ وقالا: نحن يا رسول الله، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم آخى بينهما حين قدِمَ المهاجرين على المدينة.
فلما خرجا إلى فمِ الشعب قال عبادُ بن بشرٍ لأخيه عمارِ بن ياسرٍ: أيُّ شطريْ الليل تؤثرُ أن تنامَ فيه: أوّله أم آخره؟
فقال عمارٌ: بل أنامُ في أوّلِه، واضطجعَ غير بعيدٍ عنه.
كان الليلُ هادئًا وادعًا، فتاقت نفسُ عبادِ بن بشرٍ إلى العبادةِ، واشتاق قلبُه إلى القرآن.
وكان أحلى ما يحلو له القرآنُ إذا رتله مُصليًا فتجمعُ متعة الصلاةِ إلى متعةِ التلاوةِ.
فتوجَّه إلى القبلةِ ودخلَ في الصلاة وطفِق يقرأ من سورةِ الكهفِ بصوته الشجيِّ النديِّ العذب.
وفيما هو سابحٌ في هذا النورِ القرآني؛ أقبل رجل من المشركين يريد الأذى بالمسلمين يحثّ الخطى فلمًّا رأى عبادًا من بعيد منتصبًا على فم الشعب عرف أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه بداخله وأنه حارسُ القوم؛ فوَترَ قوسهُ، وتناول سهمًا من كنانته ورماه بِه فأصاب السهم عبادا رضي الله عنه. فانتزعه عبادٌ من جسده ومضى متدفقًا في تلاوتِه مستمرا في صلاته ...
فرماه الرجل بآخرَ فوضعهُ فيه؛ فانتزعه كما انتزع سابقه، والدم ينزف منه، فرماه بثالث، فانتزعه كما انتزع سابِقيه، وزحفَ حتى غدا قريبًا من صاحبه وأيقظه قائلًا: انهض فقد أثخنتني الجراحُ (أضعفتني وأوهنت قوتي) .فلما رآهما الرجل ولّى هاربًا.