رُدَّت إلى أُصولِها وأُصولُها الصَرفُ، قال الشاعر [1] [121] :
قَواطِنًا مكّةَ مِن وُرقِ الحَمِي
فصَرَفَ"قَواطِن"وحَذَف من"الحَمام". وهذا الحَذفُ شاذّ، لا يَجوز أن تَقول في الحِمار"الحِمَى". و"الحَمامُ"إنما حُذِف مِنها الألِفُ فبَقِيَت"الحَمَمُ"كما يُقصَر المَمدودُ في الشِعر. ثُمّ إنه اجتَمَع حَرفان مِن جِنس واحِد فأبدَل الميم ياء كَما قال في تَظَنَّنت: تظنَّيت لثِقَل التَضعيف.
والميم، أيضًا، تَزيد في الثِقَل على حُروف كَثيرة. ألا تَرى أنّك تُدغِم الباء في الميم فَتَقول: اصحَمَّطَرا، تُريد: اصحَب مَطَرا. وتقول: أكرِم بزَيدٍ، فلا تُدغِم الميم في الباء. لا يجوز أن تقول: أكرِبِّزَيد [2] [122] ، فقَد دَلَّك هذا على ثِقَل الميم، ولم يَجُز الإدغام لأنّ تَقدير الألِف بَينَهما؛ فأبدَل الميم لهذه العِلّة. وإنما شَرَحنا هذا لأن سيبَوَيهِ دَلَّنا على أنّه لَيس شَيء مِمّا يُضطَرّون إلَيه إلا وَهُم يُحاوِلون بِه وَجهًا [3] [123] .
ومِمّا يَجوز في الشِعر من حَذف ما لا يُحذَف نَحوَ قَول الشاعِر [4] [124] :
(1) الرجز للعجاج في ديوانه 237 وفيه (أوالفا) بدل (قواطنا) ، وهو من شواهد الكتاب 1/ 26 وضرورة الشعر 91 والإنصاف 2/ 519. وفي الجامع 86 مقتبسا قول الزجاج في تعقيبه على الحذف دون الإشارة إليه، وأما في المحكم 2/ 388 فقد قال ابن سيده بعد هذا البيت: قال أبو إسحاق: هذا الحذف شاذ، لا يجوز أن تقول في الحمار: الحِما، تريد الحمار. وأما الحمام هنا فإنما حذف منها الألف فبقيت الحمم فاجتمع حرفان من جنس واحد فأبدل من الميم ياء كما تقول: تظنّنت وتظنّيت. وذلك لثقل التضعيف، والميم أيضا تزيد في الثقل على حروف كثيرة. وانظر أيضا اللسان (حمم) ، ونضرة الإغريض 274.
(2) في الأصل: أكرم بزيد، وقد أثبتنا رسمها على هذا النحو مراعاة للسياق. ويبدو تعليل الزجاج لعدم جواز الإدغام هنا غامضا، وانظر لبيان هذا المسألة قول سيبويه في الكتاب 4/ 447.
(3) الكتاب 1/ 22.
(4) نسبه سيبويه في الكتاب 1/ 27 للنجاشي واسمه كما ورد في الشعر والشعراء 209: قيس بن عمرو بن مالك. وهو في ضرورة الشعر 99،216 والجامع 85 وبلا نسبة في اللسان (لكن) . وهو في كتاب القوافي للإربلي 171 مع الاقتباس التالي من هذا الكتاب:"وقال الزجاج: دلنا سيبويه على أنه ليس شيء يضطرون إليه، إلا وهم يحاولون به وجها، وقد تحذف العرب بعض الكلمة تخفيفا وضرورة في الشعر، نحو قوله:"
فلست بآتيه ولا أستطيعه ... ولاك اسقني إن كان ماؤك ذا فضل
يريد ولكن اسقني، فحذف النون"."