فَلَستُ بِآتيهِ ولا أستَطيعهُ ... ولاكِ اسقِني إن كان ماؤكَ ذا فَضلِ
يُريد: ولكِن اسقِني، فحَذَف. وإنّما حذَفَ النونَ لشَبَهِها بحروف اللِين. ألا تَراهم قالوا: لم يَكُ، فحذَفوا النون كَما حَذَفوا الياء من قَولهم: لا أدرِ.
وكُلّ واوٍ أو ياءٍ زيدَتا على الهاء في نَحو قَولك: مَرَرتُ بهِ، ولهُ؛ فإنّه يَجوز أن تُحذَف في الشعر، قال الشاعر [1] [125] :
لهُ زَجَلٌ كأنهُ صَوتُ حادٍ ... إذا طَلَبَ الوَسيقة أو زَميرُ
وقال [2] [126] :
فما لهُ من مَجدٍ تَليدٍ وما لهُ ... مِن الريح فَضلٌ لا الجَنوب ولا الصَبا
فَحَذف الواو وأجرى في الوَصل كَما كان يُجريه في الوَقف [3] [127] .
(1) للشماخ في ديوانه 155 برواية:"له زجلٌ تقول: أصوتُ حادٍ"، وهو في الكتاب 1/ 30 والجامع 85 وما يجوز للشاعر 116 والإنصاف 2/ 516
(2) للأعشى في ديوانه 19 ورواية صدره (وما عنده مجد تليد ولا له) وفي الكتاب 1/ 30 وفيه (حظ) بدل (فضل) ، وفي ضرورة الشعر 219 والجامع 85 وما يجوز للشاعر 115 وضرائر الشعر 95 برواية الكتاب.
(3) في الأصل: وأجري الشيء في الوصل. وقد اعترض ابن جني على كلام الزجاج هذا بقوله (الخصائص:1/ 127) : ومما ضعف في القياس والاستعمال جميعا بيت الكتاب:
له زجل كأنه صوت حاد ... إذا طلب الوسيقة أو زمير
فقوله"كأنه"ـ بحذف ا لواو وتبقية الضمة ـ ضعيف في القياس، قليل في الاستعمال. ووجه ضعف قياسه أنه ليس على حد الوصل ولا على حد الوقف وذلك أن الوصل يجب أن تتمكن فيه واوه، كما تمكنت في قوله في أول البيت (لهو زجل) والوقف يجب أن تحذف الواو والضمة فيه جميعا، وتسكن الهاء فيقال: (كأنهْ) فضم الهاء بغير واو منزلة بين منزلتي الوصل والوقف. وهذا موضع ضيق، ومقام زلج لا يتقيك بإيناس، ولا ترسو فيه قدم قياس. وقال أبو إسحاق في نحو هذا: إنه أجرى الوصلَ مُجرى الوقف؛ وليس الأمر كذلك؛ لما أريتك من أنه لاعلى حد الوصل ولا على حد الوقف. انتهى قول ابن جني، وربما كان على الزجاج لكي يتخلص من تعقب ابن جني له أن يورد العبارة على نحو ما وردت عند تلميذه أبي الحسن العروضي في الجامع 85 بقوله: ويجوز للشاعر أن يجتزئ بالضمة من الواو في مثل كأنه وله وبيناه.