قال سيبَوَيهِ:"اعلم أنّه يَجوز في الشِعر ما لا يجَوز في الكَلام من صَرف ما لا ينصَرِف وحَذف ما لا ينحَذِف [1] [112] ". وذكَر الأخفَش أبو الحَسَن [2] [113] وبَعض النَحويّين [3] [114] أنه قد يَجوز في الشِعر أن يُترَك صَرف ما يَنصَرِف، وهذا غَلَط بَيّن؛ لأن ما لا يَنصَرِف إذا صُرِف إنما يُردُّ إلى أصله. والذي يَستَشهِدون به في هذا إنما [هُوَ] شَيء وُضِع في غَير مَوضِعه. أنشَدوا لِعَبّاس بن مِرداس [4] [115] :
فَما كان حِصنٌ ولا حابِسٌ ... يفوقانِ مِرداسَ في مَجمَعِ
والرِواية الصَحيحة [5] [116] : يَفوقان شَيخيَّ في مَجمَع
ولَو لمَ تَكُن"شَيخَيَّ" [6] [117] هذه من الرِواية، وصَحَّ أنّه لمَ يَقُل إلا"يَفوقان مِرداسَ"لمَ يَجُز أن نَجعَل هذا مِمّا يُقاس عَلَيه. إذ كانت العَرَب لا تَقول مِثل هذا وهو لَحن يبطل ما اتّصَل به من الأسماء والأفعال. وأنشَدوا [7] [118] :
ومِمّن وَلَدوا عامِرُ ... ذُو الطُولِ وذو العَرضِ
و"عامِر"هاهُنا اسم لِلقَبيلة. وإنّما ذَكَّر اللَفظ كَما قال [8] [119] :
(1) عبارة سيبويه في الكتاب 1/ 26: اعلم أنه يجوز في الشعر ما لا يجوز في الكلام من صرف ما لا ينصرف، يشبهونه بما ينصرف من الأسماء؛ لأنها أسماء كما أنها أسماء. وحذف ما لا يحذف، يشبهونه بما قد حذف.
(2) هو سعيد بن مسعدة المعروف بالأخفش الأوسط (ت 210هـ) ولم أجد قوله هذا في كتاب العروض الذي صنفه لأن الخرم وقع فيه قبل أن يتم كلامه في باب ما يحتمله الشعر.
(3) يقصد الكوفيين، وانظر ضرورة الشعر 43.
(4) البيت في ديوانه 112 والشعر والشعراء 505 والجامع 84 وضرورة الشعر 44 والإنصاف 499 وما يجوز للشاعر 84.
(5) وهي رواية شيخه المبرد، انظر عبث الوليد 188.
(6) في الأصل: وشيخي، بزيادة الواو.
(7) البيت لذي الإصبع العدواني في الأغاني 3/ 88 وضرائر الشعر 79 والمحكم 2/ 109 نقلا عن الزجاج وضرورة الشعر 44 وما يجوز للشاعر 85 وعبث الوليد 154 والإنصاف 2/ 501.
(8) البيتان في الإنصاف 2/ 507، 2/ 763 وبلا نسبة في اللسان (عمر) وضرورة الشعر 46 ونسبا للأعشى في المحكم 2/ 109 وليسا في ديوانه. وهما في العقد الفريد 3/ 190 لأعرابية وقفت على قبر ابن لها يقال له عامر، ولذا جاء في شطره الأول (أقمت أبكيه) بدل (قامت تبكيه) ، كما جاء (لي وحشة) بدل (ذا غربة) . وقد ورد البيتان في موضع آخر من العقد 6/ 204 وفيهما (وحشية) بدل (ذا غربة) ، ولا شاهد في الموضعين على تذكير اللفظ.