قواعدهما وأركانهما وشاد صرحهما وبناءهما الضخم، بما رسم من مصطلحاتهما وضبط من قواعدهما، وبما شعب من فروعهما، يهتدي في ذلك ببصيرته النافذة التي أتاحت له وضع علم العروض وضعًا تامًا بحيث لم تستطع الأجيال التالية أن تضيف الى صنيعه شيئًا. وبالمثل تناول علمي النحو والتصريف ساذجين من أسلافه، وما زال بهما حتى استويا في صورتهما التي ثبتت على الزمن، وإن جمهور ما يصوره سيبويه في كتابه من أصول النحو والتصريف وقواعدهما إنما هو من صنيع الخليل، ولا ينكر أحد ما لسيبويه من إكمال في العلمين وتتميم )) [1] .
وأما آراء الخليل الصرفية فهي كثيرة ومبثوثة في الكثير من الكتب، ومنها الكتاب، وإليه يرجع الفضل في وضع قوانين الإعلال والقلب، فمثلًا صيغة اسم المفعول من الفعل الأجوف مثل مقول ومبيع فقد كان يرى أنه واو مفعول الزائدة هي المحذوفة من الصيغتين لأن الزائدة أولى بالإعلال من الأصلي، وبذلك يكون وزن الكلمتين عنده (( مفعل ) )و (( مفعل ) )بينما يذهب بعض النحاة الذين خلفوه إلى أن عين صيغة اسم المفعول هي المحذوفة، وأن وزنهما لذلك (( مفول ) ) [2] .
ويقول في (( هذا باب ما الهمزة فيه في موضع اللام من بنات الياء والواو ... وأما افعللت من صدئت فأصدأيت، تقلبها ياء كما تقلبها في مفعلل، وذلك قولك: مصدي كما ترى، ويفعلل يصدئي، ولم تكن لتكون ههنا بمنزلة بنات الياء وتكون في فعلت ألفًا. ومن ثم لم يجعلوها ألفًا ساكنة. كما أنك لم تقل أغزوت إذ كنت تقول يغزي، فلم تكن لتجعل فعلت منه بمنزلة الهمزة وسائره كبنات الياء، فأجرى هذا مجرى رمى يرمي، وهذا قول الخليل ) ) [3] .
وأما صيغة اسم الفاعل من الفعل الأجوف المهموز مثل جاء من جاء، وكان يرى أنه حدث في الصيغة قلب، اذ قُدَّمت ياء لفظة جائي على الهمزة، وذلك أن اسم الفاعل من الفعل الأجوف الثلاثي تقلب عينه همزة مثل سائل، فلو لم تقدم الياء
(1) المدارس النحوية: 33 - 34.
(2) ينظر: الكتاب: 4/ 348 و376 والخصائص: 2/ 66 والمنصف: 1/ 287 والأشباه والنظائر في النحو: 42.
(3) الكتاب: 4/ 379.