الصفحة 8 من 11

والصغار على من خالف أمري ومن تشبه بقوم فهو منهم ) أخرجه الإمام أحمد في مسنده من طريق عبد الرحمن بن ثابت ابن ثوبان ، عن أبي منيب الجرشي ، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.

والقوة ، اسم جامع لكل ما نتقوى به على العدو ونزرع الرعب في قلوبهم والقلق في صدورهم ، فيشمل القوة القلبية من التوكل على الله تعالى ، والوثوق بوعده بنصر المؤمنين ، فهذا نبي الله وكليمه موسى بن عمران عليه السلام ، حين فر من فرعون وجنوده ، وكان أمامه البحر الخضم ، وخلفه الطاغية فرعون وجنوده ، وأشرف موسى ومن معه على الخوض في هذا البحر ، وعاين أتباع موسى الهلاك والغرق ، وأشرفوا على الموت ، وضاقت بهم السبل ، وانقطعت بهم الأسباب ، وقالوا ( إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ) أجابهم موسى عليه السلام بثقته بموعود الله تعالى ، وقوة توكله على ربه فقال ( كَلاَّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ ) فحين علم تعالى بعلمه الذي وسع الكون ، قوة إيمان موسى ، وتوكله عليه أجابه من فوق سبع سماوات بقوله (فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ ) .

إذا انقطعت أطماع عبد عن الورى

فأصبح حرًا عزة وقناعة

وإن علقت بالعبد أطماع غيره

فلا ترجو إلا الله في الخطب وحده

تعلق بالرب الكريم رجاؤه

على وجهه أنواره وضياؤه

تباعد ما يرجو وطال عناؤه

ولو صح في خل الصفاء صفاؤه

وهذا أول رسل رب العالمين ، نبي الله ورسوله نوح عليه السلام يقول لقومه (يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ ) وكم قص الله تعالى علينا من الأمثلة الحية ، والمثالية في هذا الباب الشيء الهائل العظيم .

وهذا سيد المتوكلين ، ورسول رب العالمين ، وأشرف الخلق على الله تعالى ، لما قيل له إن الناس قد جمعوا لحربك ، وجاء أبو سفيان ومن معه لمواجهتك ، ففوض أمره وتوكل على الله تعالى ، وما زاد على قوله حسبنا الله ونعم الوكيل ( الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ) فجازاهم الله على ذلك بأن كف شر عدوه وعدوهم ( فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ) أي لما توكلوا على الله وفوضوا أمرهم عليه ، كفاهم ما أهمهم ، وردَّ عنهم بأس من أراد كيدهم فرجعوا إلى بلدهم ( بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ ) مما أضمر لهم عدوهم .

وهؤلاء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب لما أحدقت بهم الأعداء وتكالبت عليهم ، وحاصرهم المشركون ومن معهم ، واشتد عليهم الأمر ، وعظم الخطب ، وكانوا في غاية الجوع والبرد ، وشدة الخوف ، كما ذكر تعالى ذلك بقوله (وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا ) وبقوا شهرًا على تلك الحال الحرجة ، والأيام العصيبة ، أتى أرحم الراحمين بالفرج من عنده ، وولى أعداؤهم خائبين ذليلين ، لم يحققوا أمالهم ، ولم يدركوا مرادهم ، ولذلك أمر الله تعالى المؤمنين بتذكر هذه النعمة فقال تعالى ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت