الصفحة 9 من 11

إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا . إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتْ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا . هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا ) .

وفي يوم بدر ، نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين وهم ألف وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلًا ، فاستقبل نبي الله صلى الله عليه وسلم القبلة ، ثم مد يديه فجعل يهتف بربه ( اللهم أنجز لي ما وعدتني ، اللهم آت ما وعدتني ، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض ) فما زال يهتف بربه ، مادًا يديه مستقبل القبلة ، حتى سقط رداؤه عن منكبيه ، فأتاه أبو بكر ، فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه ثم التزمه من ورائه ، وقال: يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك ، فإنه سينجز لك ما وعدك فأنزل الله عز وجل ( إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنْ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ ) فأمده الله بالملائكة . أخرجه الإمام مسلم في صحيحه (1763) من طريق عكرمة بن عمار ، عن سماك الحنفي ، عن ابن عباس ، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما .

وأخذ العدة ، والتزود من الطاعة لا يبعث على الإعجاب ، ولا يولد الغرور فنحن نحارب هذا وذاك ، فلا نغتر بالقوة والكثرة ، ولا نزهد في القلة ، ولذلك لما سارت جنود الله ، وصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مناجزة أعداء الله تعالى ، وبلغ المسلمين أن هرقل بالبلقاء في مائة ألف من الروم ، وانضم إليهم من لخم وجذام ، وبلقين وبهراء ، وبَلي ، مائة ألف ، فلما بلغ ذلك المسلمين ، أقاموا بمعان ليلتين ينظرون في أمرهم وقالوا: نكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنخبره بعدد عدونا ، فإما أن يمدنا وإما أن يأمرنا بأمره فنمضي له ، فشجع الصحابي الشجاع المقدام عبد الله بن رواحة رضي الله عنه الناس وقال: ( يا قوم والله إن الذي تكرهون للذي خرجتم له تطلبون الشهادة وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة ، إنما نقاتلهم بهذا الدين الذي أكرمنا الله به فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين إما ظهور وإما شهادة ) فأدرك هذا الصحابي الجليل رضي الله تعالى عنه ببصيرته النافذة ، وعقله الراجح الزكي ، أن القوة والظفر ، ليست بالقوة العسكرية فحسب ( إنما نقاتلهم بهذا الدين الذي أكرمنا الله به فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين ) .

وحين أعجب الصحابة رضي الله عنهم ، بكثرتهم ، يوم حنين كانت الدائرة عليهم في أول الأمر ، كما قال الله تعالى ( وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمْ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ . ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ . ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) .

وحين عصى الرماة رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر بقوله ( إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم هذا حتى أرسل إليكم ، وإن رأيتمونا هزمنا القوم وأوطأناهم ، فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم ، فهزموهم ، قال: فأنا والله رأيت النساء يشتددن ، قد بدت خلاخلهن وأسوقهن ، رافعات ثيابهن ، فقال أصحاب عبد الله بن جبير: الغنيمة أي قوم الغنيمة ظهر أصحابكم فما تنتظرون ؟ فقال عبد الله بن جبير: أنسيتم ما قال لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالوا: والله لنأتين الناس فلنصيبن من الغنيمة ، فلما أتوهم صرفت وجوههم فأقبلوا منهزمين ، فذاك إذ يدعوهم الرسول في أخراهم فلم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم غير اثني عشر رجلًا ، فأصابوا منا سبعين ... أخرجه الإمام البخاري في صحيحه(3039) من طريق أبي إسحاق ، عن البراء بن عازب رضي الله عنه .

فهذا الذنب غير العمد كان سبب الهزيمة ، ويا ليت شعري أين موقع هذا الذنب بجانب المنكرات المعاصرة ، والموبقات القائمة ، والعلل المتناثرة .

ونحن نستحث المسلمين على طاعة الله ، وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم ومجانبة الذنوب والمعاصي ، والاستعداد لملاقاة الصليبيين بالقوة والإيمان ، والتوبة الصادقة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت