الصفحة 6 من 11

وهو لم يتدرب على حمل السلاح ، وذلك على كافة مستوياتهم الذكور والإناث ، ولذلك أولى علماء الإسلام أمر الإعداد عناية كبيرة ، وأخذوه بالجدية والحزامة ، وجعلوه إحدى فروض الكفايات ، وقد يكون فرض عين على أهل القدرة من الذكور ، شأنه في ذلك شأن الجهاد ، منه ما هو فرض عين ، ومنه ما هو فرض كفاية ، ولا تتأتى حماية بلاد المسلمين وصد عدوان الظالمين إلا بالقتال ، ولا يتأتى القتال ولا سيما في عالمنا الحاضر في ظل تطور الأسلحة إلا بالإعداد والتدريب ، ومالا يتم الواجب إلا به فهو واجب .

وقد قال أبو جعفر بن جرير رحمه الله تعالى في تفسيره (10/23) على قوله تعالى ( وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ) والصواب من القول في ذلك ، أن يقال إن الله أمر المؤمنين بإعداد الجهاد وآلة الحرب وما يتقوون به على جهاد عدوه وعدوهم من المشركين من السلاح والرمي وغير ذلك ، ورباط الخيل ولا وجه لأن يقال عنى بالقوة معنى دون معنى من معاني القوة ، وقد عم الله الأمر بها ، فإن قال قائل فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بين أن ذلك مراد به الخصوص بقوله ألا إن القوة الرمي ؟ قيل له إن الخبر وإن كان قد جاء بذلك فليس في الخبر ما يدل على أنه مراد بها الرمي خاصة دون سائر معاني القوة عليهم ، فإن الرمي أحد معاني القوة ، لأنه إنما قيل في الخبر ألا إن القوة الرمي ولم يقل دون غيرها ، ومن القوة أيضًا السيف والرمح والحربة ، وكل ما كان معونة على قتال المشركين كمعونة الرمي أو أبلغ من الرمي فيهم وفي النكاية منهم ... .

وقال القرطبي رحمه الله تعالى في الجامع لأحكام القرآن (8/35) أمر الله سبحانه المؤمنين بإعداد القوة للأعداء بعد أن أكد تقدمة التقوى ، فإن الله سبحانه لو شاء لهزمهم بالكلام والتفل في وجوههم وبحفنة من تراب ، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكنه أراد أن يبتلي بعض الناس ببعض بعلمه السابق وقضائه النافد ، وكلما تعده لصديقك من خير أو لعدوك من شر فهو داخل في عدتك وتعلم الفروسية واستعمال الأسلحة فرض كفاية .

وقال ابن عبد البر رحمه الله تعالى في التمهيد (14/81) فإذا كانت خيل مرتبطة معدة للجهاد في سبيل الله كان تضميرها والمسابقة بها سنة مسنونة على ما جاء في هذا الحديث .

وقال النووي رحمه الله تعالى في شرحه لصحيح مسلم ، على حديث عقبة ، وفيه فضيلة الرمى والمناضلة والاعتناء بذلك بنية الجهاد في سبيل الله تعالى ، وكذلك المشاجعة وسائر أنواع استعمال السلاح ، وكذا المسابقة بالخيل وغيرها كما سبق في بابه ، والمراد بهذا كله التمرن على القتال والتدرب والتحذق فيه ورياضة الأعضاء بذلك .

وقال الشوكاني في نيل الأوطار (8/88) على حديث عقبة ( من علم الرمي ثم تركه فليس منا أو قد عصى ) وفيه دليل على مشروعية الاشتغال بتعلم آلات الجهاد والتمرن فيها ، والعناية في إعدادها ، ليتمرن بذلك على الجهاد ، ويتدرب فيه ، ويروض أعضاءه .... وفي ذلك إشعار بأن من أدرك نوعًا من أنواع القتال التي ينتفع بها في الجهاد في سبيل الله ، ثم تساهل في ذلك حتى تركه كان آثمًا إثمًا شديدًا ، لأن ترك العناية بذلك يدل على ترك العناية بأمر الجهاد ، وترك العناية بالجهاد يدل على ترك العناية بالدين لكونه سنامه وبه قام .

وقال القاسمي رحمه الله تعالى في تفسيره (5/316) على هذه الآية . دلت هذه الآية على وجوب إعداد القوة الحربية ، إتقاء بأس العدو وهجومه ، ولما عمل الأمراء بمقتضى هذه الآية ، أيام حضارة الإسلام ، كان الإسلام عزيزًا ، عظيمًا ، أبى الضيم قوي القنا ، جليل الجاه ، وفير السنا ، إذ نشر لواء سلطته على منبسط الأرض ، فقبض على ناصية الأقطار والأمصار ، وخضد شوكة المستبدين الكافرين ، وزحزح سجوف الظلم والاستعباد ، وعاش بنوه أحقابًا متتالية وهم سادة الأمم ، وقادة الشعوب ، وزمام الحول والطول وقطب روحي العز والمجد ، لا يستكينون لقوة ، ولا يرهبون لسطوة . وأما اليوم فقد ترك المسلمون العمل بهذه الآية الكريمة ، ومالوا إلى النعيم والترف ، فأهملوا فرضًا من فروض الكفاية ، فأصبحت جميع الأمة آثمة بترك هذا الفرض ، ولذا تعاني اليوم من غصته ما تعاني ، وكيف لا يطمع العدو بالممالك الإسلامية ، ولا ترى فيها معامل للأسلحة ، وذخائر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت