الاهتمام؛ واحتفل بها كل من تعلق بأسباب دراسة أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم على تفاوت بينهم وتباين. وأشار إليها كل من كتب في السيرة النبوية من أقدمين ومحدثين؛ وأفتى في مسائلها الفقهية المتشعبة من بيعة وخلافها فقهاء الأمة وقضاتها وعلماؤها؛ وتناول أهل اللغة وصناع المعاجم والقواميس والمقاييس بالشرح والتفسير، وبيان أصلها واشتقتقها، وصدح بها الشعراء الذين استنشقوا عبيرها منوهين بها ذاكرين لفضلها حتى إذا تقادم العهد بالمسلمين وبعدت الشقة بينهم وبين دينهم وتسلط عليهم ناس من خارجهم، وآخرين من داخلهم وذاقوا طعم الظلم ومرارة الإضطهاد وقسوة الاستبداد أقبل العقلاء منهم ينقبون عن تاريخ ناذخ وفقه شامخ وفكر منير فكانت اليقظة الإسلامية والوعي الحضاري والعزيمة على إستئناف مشوار العزة والكرامة والمجد والشموخ الذي لا ينمو إلا في أجواء الحرية والعدالة والشورى والقيم النبيلة.
وهكذا ألفينا أهتمامًا متزايدًا وعناية متراكمة بالشورى وما يتبعها من أنماط وأشكال ومؤسسات وأساليب وبرز هذا الاهتمام وتلكم العناية منذ أواخر القرن الماضي وأوائل القرن الحالي مقاومة للإستعمار ومناهضة للإستبداد، ومدافعة للباطل فكتب الكواكبي عن طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد وبشرت مدرسة الافغاني ومحمد عبده بالشورى ودعا المصلحون والمجددون إلى الحرلاية وحكم الشورى ووصل حاضر الأمة بماضيها أستشرافًا لمستقبل زاهر وضئ يسكب على الحياة نورًا متألقًا ورونقًا منأنقًا، ومنظرًا بهيًا.
وما كان لأعداء الأمة من الملل الأخرى، والمستغربين من بني جلدتنا أن يصبروا على هذا السيل الفكري العارم، والمد الإسلامي الكاسح الذي يريد أن يهدم هيكلًا مهترئًا ليقيم على أنقاضه حضارة نابضة بالحياة، ناطقة بالحق قائمة على معاني الحرية والشورى والعدل والاعتراف بحق الآخرين في التفكير والتعبير والانعتاق من آصار الاستبداد وأغلاله والمتابع للحركة الثقافية والفكرية في بلاد المسلمين منذ عقود الزمان يلاحظ جهدًا مكثفًا في أبراز محاسن الشورى ومزاياها ولا سيما وقد لسعت يد البغي والعدوان رجال الثقافة والفكر.
لقد أصبحت الشورى قضية ينبري لها المحامون، ويتأزر عليها العقلاء وتشدو بها لهوات الشعراء. ولنختم هذه المقدمة عن الشورى وأهميتها وأدبياتها ببعض ماقال أولئك الشعراء ترطيبًا للأجواء، وتنشيطًا للقراء وترويحًا.
كانت بيعة أبي بكر الصديق فلتة وقى الله المسلمين شرها كما قال عمر بن الخطاب وبدرت بوادر لجاجة سرعان ماحسمت ففرح لهم بعضها فقال:
حمدًا لمن هو بالثناء حقيق ذهب اللّجاجُ وبويع الصديق
وعندما ظهرت آيات الانحراف عن طريق الخلفاء الراشدين في العهد الأموي أنكر الشعراء ما وقع عليهم من حيف وظلم قال بعضهم:
معاوِيَ إننا بشر فأسحج ... فلسنا بالجبال ولا الحديد
أتطمع بالخلود إذا هلكنا ... وليس لنا ولك من خلود
قالوا شتم معاوية رضي الله عنه بعضهم فرد الرجل الشتيمة وخرج وهو يقول:
أيشتمني معاوية بن حرب ... وسيفي صارمٌ ومعي لساني؟!