الصفحة 8 من 30

وفي العصر العباسي رفع بعض شعرائه صوته صادحًا صادعًا منوهًا بالشورى داعيًا إلى الأخذ بها لأنها لا تزيد المستشير إلا نورًا على نور وقوة إلى قوة:

إذا بلغ الرآي المشورة ... فاستعن ... برأي لبيب أو نصيحة حازم

ولا تجعل الشورى عليك غضاضة ... فإن الخوافي قوة للقوادم

أما في عصرنا هذا الحديث فنكتفي بثلاثة شعراء كلهم محسن مجيد. أما الأول فقائد النهضة الشعرية الحديثة محمود سامي البارودي وكان صاحب لسان وسنان قال مخاطبًا الخديوي:

سُنَّ المشورة وهي أكرم خُطة ... يجري عليها كل والِ مرشد

هي سنة الدين التي أوحى بها ... رب العباد إلى النبي محمد

فمن أستعان بها تأيد ملكه ... ومن أستهان بأمرها لم يرشد

أمران ما اجتمعا لقائد أمةِ ... إلا وجنى ... بهما ثمار السُّؤد

جمع يكون الأمر فيما بينهم ... شورى وجندٌ للعدو بمرصد

وأما الثاني فأمير القوافي أحمد شوقي الذي تبارك شعره بمدحه للرسول صلى الله عليه وسلم وثنائه على شرعته ومنهاجه قال في همزيته المعروفة:

فالدين يسر والخلافة بيعة ... والامر شورى والحقوق قضاء

أما الثالث الذي نختم به هذه المقدمة فهو شاعر النيل حافظ أبراهيم صاحب القصيدة الهائية العمرية التي سار بها الركبان. قال مناديًا الخليفة الراشد الفاروق:

يا رافعًا راية الشورى وحارسها ... جزاك الله خيرًا عن محبيها

رأي الجماعة لا تشقى البلاد به ... رغم الخلاف ورأي الفرد يشقيها

ولقد صدق والله وفي تجاربنا المعاصرة خير برهان على ما قال.

وبعد:

فهذه مقدمة تفتح بابًا لعلها منه نلج، ونافذة منها نطل على الشورى في مساقات ثلاثة:

في مساقها التأصيلي متمثلًا في اللغة والقرآن والحديث وفي مساقها التاريخي متمثلًا في عصر النبوة والخلافة الراشدة ثم في مساقها المعاصر متمثلًا في بعض القضايا المتشابكة كقضية التشابه والاختلاف بينها وبين الديمقراطية وقضية الحريات والتداول السلمي للسلطة وما أشبه ذلك من قضايا وتداعيات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت