وقد يذهب المجتهد ابعد من هذا، فيستخدم العرف وسيلة لتفسير النص نفسه، إذا كان العرف موجودا وقت التشريع، لان التشريع نزل بلغة القوم انذاك، ولذلك يقول القرافي:"وعندنا العوائد مخصصة للعموم" [1] وينقل امام الحرمين عن بعض اهل العلم انهم جعلوا العرف مرجحا في حال تعارض الظواهر [2] ، والعرف في كل هذا لا يعدو كونه وسيلة من وسائل البيان كالمباحث اللغوية.
ولا يفوتني ان اذكر ان العرف قد يراعى لما فيه من تحقيق مصالح العباد، يقول ابن عابدين:"وانما جازت بالتعارف العام لما فيها من احتياج عامة الناس اليها" [3] وهذا ما يؤكد ارتباط العرف ببقية المصادر وليس هو مستقلا عنها، فهو يرتبط بالنصوص للوصول الى معناها يرتبط بالنصوص للوصول الى معناها الراجح ويرتبط بالمصلحة المرسلة لتقديرها وبناء الحكم المناسب لها، وهكذا.
هذه المصادر هي اهم مصادر الاحكام في الشريعة الاسلامية بعد الكتاب والسنة، وقد اعطتنا تصورا واضحا لمعنى الشمولية لا سيما في مجالها التطبيقي العملي.
واذا كانت النصوص القاطعة تمثل الثوابت التي تحفظ هوية هذا الدين وميزته فان هذه المصادر تمثل الجانب المرن الذي يتسع للمستجدات على اختلافها وتغيرها باجتهاد قابل للتعددية، وقد قدم الاسلام الحصانة للمجتهد في هذا الجانب حتى لو اخطأ، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم"إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم اصاب فله اجران واذا حكم فاجتهد ثم اخطأ فله اجر" [4]
وبهدا يكون الاسلام قد تجاوز سلبيات الشمولية التي تمارسها بعض الانظمة الفردية، والتي يتدخل الحاكم فيها بكل صغيرة وكبيرة دون اعطاء اي قدر من المرونة وحرية الاجتهاد والتعبير، مما جعل بعض المفكرين اليوم يقرن الشمولية بالجمود والاستبداد.
فالشمولية الاسلامية فتحت المجال من خلال قواعدها العامة ومصادرها التبعية، امام المجتهدين لوضع الانظمة الحديثة واستخلاص الاحكام التفصيلية، التي تتناسب مع كل ظرف ومع كل عصر مع المحافظة على هوية الامة بالالتزام بثوابتها وقطياتها، سواء اكانت هذه الثوابت قواعد عامة كتحقيق معاني العدل والشورى ووحدة الامة ام كانت مسائل تفصيلية كأحكام الاحوال الشخصية.
الخاتمة
وفي ختام هذا الجهد اود ان اقدم خلاصة بأهم الاستنتاجات المستفادة من البحث وسأجملها في النقاط الاتية:
1.يقصد بالشمولية الاسلامية إحاطة الاسلام بكل ما يحتاجه الناس من احكام وتشريعات في المجالات المختلفة الفردية والجماعية، المادية والروحية.
(1) القرافي، شرح تنقيح الفصول، ص 211، والانصاري، فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت، ج 1، ص 325.
(2) الجويني، البرهان، ج 2، ص 1201، والشوكاني، ارشاد الفحول، ص 279.
(3) ابن عابدين، نشر العرف في بناء بعض الاحكام على العرف ص 117
(4) البخاري، صحيح البخاري، ج 4، ص 268 طبعة دار الفكر، بيروت 1986