الصفحة 18 من 23

ولا يفوتني ان اذكر ان الامام الغزالي مال الى تقسيم المصلحة المرسلة بحسب تحقيقها لمقاصد الشرع"الضرورات والحاجيات والتحسينات" [1] . ليضع بذلك ضوابط واضحة تجعل المجتهد لا يخرج عن اطار الشرع بحال، فقال:

"اما الواقع في رتبة الضروريات فلا بعد في ان يؤدي اليه اجتهاد مجتهد وإن لم يشهد له اصل معين، ومثاله ان الكفار اذا تترسوا بجماعة من اسارى المسلمين فلو كففنا عنهم لصدمونا وغلبوا على دار الاسلام وقتلوا كافة المسلمين، ولو رمينا الترس لقتلنا مسلما معصوما لم يذنب ذنبا ... فيجوز ان يقول قائل: هذا الاسير مقتول بكل حال فحفظ جميع المسلمين اقرب الى مقصود الشرع، لأنا نعلم قطعا ان مقصود الشرع تقليل القتل كما يقصد حسم سبيله عند الامكان فإن لم نقدر على الحسم قدرنا على التقليل" [2] .

ثم بدأ بالحديث عن المصالح التي هي من المرتبة الثانية والثالثة"الحاجات والتحسينات"فقال"فنقول الواقع في الرتبتين الاخريتين لا يجوز الحكم بمجرده ان لم يعتضد بشهادة اصل [3] وكأنه اراد بذلك ان يحسم سبيل الهوى وتمييع حدود الشرع إذ المصالح قد تختلط فعلا بالهوى والرغبات الشخصية فكان لا بد من وضع ضوابط واضحة، ويبقى راي الغزالي هذا اجتهادا قابلا للتصويب والاضافة والنقص."

ولا شك ان الناظر في هذا المصدر يستطيع ان يدرك الان كيف يستطيع الاسلام ان يحقق مصالح العباد على اختلاف الازمنة والامكنة.

رابعا: العرف

العرف هو بمعنى العادة إلا ان العرف الذي يذكر كمصدر للتشريع"هو عبارة عن عما يستقر في النفوس من الامور المتكررة المعقولة عند الطباع السليمة" [4] .

وكون العرف بهذا التعريف مصدرا للتشريع يحتاج الى بيان اذ كيف يكون ما الفه الناس واعتادوه مصدرا شرعيا؟

الحقيقة ان العرف ليس مصدرا مستقلا بتشريع الاحكام، وانما هو يعين المجتهد للوصول الى مراد الله في قضية لها صلة بعادات الناس، فمثلا: اذا تعاقد طرفان على بيع او اجارة، وذكرا في العقد ثمنا معينا"الف دينار مثلا"فبعملة اي بلد يفسر هذا المبلغ على التحديد؟ حينئذ يلجأ الى العرف زمانا ومكانا في الوصول الى فهم قصود المتعاقدين، يقول القرافي:"اذا وقع العقد في البيع فإن الثمن يحمل على العادة الحاضرة في النقد" [5] اذن نقد البلد هو المعتمد في هذا العقد، ولو دققنا النظر لوجدنا ان العرف لم يشرع حكما جديدا وانما استخدمه القاضي كقرينة مرجحة في فهم القصد الحقيقي لطرفي العقد.

(1) الخادمي، الاجتهاد المقاصدي، العدد 66

(2) الغزالي، المستصفى، ج 1، ص 294

(3) المرجع السابق، ص 293

(4) ابن عابدين، نشر العرف في بناء بعض الاحكام على العرف، ص 114

(5) القرافي، شرح تنقيح الفصول، ص 211

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت