الصفحة 17 من 23

وعلى هذا فالقياس اعمال للنص في دائرته الحقيقية وليس خروجا عن النص، ولذلك يقول امام الحرمين:"إن الحاق المسكوت عنه بالمنطوق به لكونه في معناه" [1]

وبهذا يكون القياس الرافد الذي يحقق معنى الشمولية، يقول امام الحرمين:

"الرأي المثبوت به عندنا انه لا تخلو واقعة عن حكم الله - تعالى - متلقى من قاعدة الشرع، والاصل الذي يسترسل على جميع الوقائع هو القياس ... فهو اذا احق الاصول باعتناء الطالب" [2]

ثالثا: المصالح المرسلة:

والمصالح المرسلة تعرف بأنها الوصف الذي يلائم تصرفات الشرع ومقاصده ولكن لم يشهد له دليل معين من الشرع بالاعتبار او الالغاء [3]

هذا التعريف بهذه الالفاظ يبعد عن هذا المصدر شبهة عدم استناده الى دليل من الشرع، اذ هي داخله في مقاصد الشرع العامة الثابتة بالادلة، وان لم يرد في كل جزئية منها دليل تفصيلي، ولهذا اشترط القائلون بها ان تكون تلك المصالح مشبهة بالمصالح المعتبرة [4] وهذا الشبه جاء من ناحية تحقيق مقاصد الشرع والاندراج في النصوص العامة، يقول الارموي:"فثبت ان كل مناسبة يشهد الشرع باعتبارها بحسب جنسها البعيد، فليكن حجته المنقول والمعقول" [5] وربما يتضح المقصود أكثر بالامثلة الاتية:

يقول الرسول صلى الله عليه وسلم:"ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا الى الجنة" [6] . فالعلم هنا مصلحة معتبرة وليست مرسلة، ولكن بناء الجامعات مرسل من وجه، لان الحديث لم ينص عليها، ومعتبر من وجه المصلحة البعيدة، اذ مصلحة بناء الجامعات داخلة في المصلحة الكبيرة"الجنس البعيد"الذي هو"العلم"، ومن هنا تكون الجامعات مصلحة معتبرة او مشبهة للمعتبرة، وهذا دليل نقلي اما ثبوتها بالدليل العقلي فلان الجامعات لم تندرج في مصلحة العلم الا بطريقة العقل والنظر، وليس للنص دخل في ذلك.

والدعوة الى الاسلام مصلحة معتبرة، وانشاء محطات البث المرئية (الفضائيات) والمسموعة (الراديو) ونحوها تحقق هذه المصلحة في العصر الحاضر و ان لم يرد نص بها.

ونستطيع ان نضع نظام المرور مثلا تحت قوله تعالى:"ولا تقتلوا النفس التي حرم الله الا بالحق" [7] . فحفظ النفس مصلحة معتبرة، ونظام المرور يحقق هذه المصلحة وان لم يرد فيه نص بعينه، وهكذا في الطب والهندسة ووسائل القوة، بل ونظم الادارة والمصارف الاقتصادية ... الخ.

(1) الجويني، امام الحرمين، البرهان في اصول الفقه ج2، ص 783

(2) المرجع السابق، ص 743

(3) الزحيلي، وهبة، اصول الفقه، ص 87، البوطي، ضوابط المصلحة، ص 378

(4) الاسنوي، نهاية السول، ج 4، ص 387

(5) الارموي، التحصيل من المحصول، ج 2، ص 333

(6) مسلم، السراج الوهاج، ج 10، ص 555

(7) الانعام: 151

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت