الصفحة 16 من 23

الكتاب والسنة ومن مقاصد التشريع العامة ما مكنهم من الاتفاق، ولهذا ينص الاصوليون على ضرورة وجود المستند الشرعي للاجماع لكي يكون مصدرا شرعيا"لان اهل الاجماع ليس لهم الاستقلال بإثبات الاحكام فوجب ان يكون عن مستند ... لآن القول في دين الله لا يجوز بغير دليل" [1]

فالاجماع هنا كاشف لحكم الله من نص قد يكون عاما وقد يكون مجملا، او من مقصد شرعي تقره نصوص متظافرة يقول امام الحرمين الجويني:

"فإن ذا التحصيل لا يطمع في كون اجماع الناس حجة لعينه وانما المطلوب المكتفي به استناده الى حجة والدليل عليه ان قول الله - تعالى - حق وصدق وهو المطلوب المقصود وليس وراء الله للمرء مذهب. [2] "

وهذا كله لتأكيد ان مصدر الاحكام في الاسلام واحد، وهو - الله تبارك وتعالى - وان تعددت الوسائل الكاشفة لحكم الله , وعلى هذا يكون الاجماع مصدرا رافدا لحل المشاكل المستجدة، وسد الحاجة الطارئة، دون ان نخرج بشرع مستقل عن شرع الله.

ثانيا: القياس:

ويعرف القياس بأنه"استخراج مثل حكم المذكور لما لم يذكر بجامع بينهما" [3] ومعنى هذا التعريف"الحاق امر غير منصوص على حكمه الشرعي بأمر منصوص على حكمه لاشتراكهما في علة الحكم" [4] وقد اثار القياس مشكلة في مناهج الاصوليين، اذ اعترض بعضهم على فكرة وجود مسألة لم يرد بها حكم لالحاقها بمسألة ورد فيها حكم. إذ هذا عندهم يصادم معنى الشمولية، ويصادم معنى توحيد الله في الحكم والتشريع، ولهذا يقول ابن حزم، أليس من اقر بما ذكرنا ثم اوجب ما لا نص بايجابه او حرم ما لا نص بالنهي عنه قد شرع في الدين ما لم يأذن به الله تعالى" [5] "

الا ان الناظر في تعريف القياس بدقة، مع الامثلة التي يسوقها القائلون بالقياس، يكاد يصل الى نتيجة ان الخلاف لفظي، فالعلة وهي الامر الجامع بين ما فيه نص و ما ليس فيه نص، هي حقيقة المقصود من النص، فمثلا حينما نقرأ قوله تعالى:"فلا تقل لهما أف" [6] . فهل يعقل ان النص هذا جاء من اجل تحريم كلمة"اف"وحدها دون بقية الكلمات الدالة على معاني التضجر والعقوق؟ وما ميزة هذه الكلمات بالذات عن بقية الكلمات المتشابهة؟

إننا حين نقول: إن علة النهي هي"الاذى"وكل كلمة تحقق هذا الاذى فهي محرمة ايضا وان لم يرد بها النص، إننا هنا اعملنا النص في دائرته الحقيقية الواسعة التي من اجلها جاء النص.

(1) المرجع السابق، ص 79

(2) الجويني، امام الحرمين، البرهان في اصول الفقه، ج 1، ص 683

(3) الشوكاني، ارشاد الفحول، ص 198

(4) الزحيلي، وهبة، اصول الفقه، ص 53

(5) ابن حزم الاندلسي، الاحكام في اصول الاحكام ج 2، ص 487

(6) الاسراء: 23

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت