ونحن نمنحهم بعض العذر، إلا ان نظرة واحدة في كتب اصول الفقة تبدد كثيرا من الضباب وتفتح امام العيون المجال الارحب لتصور معالم الحقيقة في هذه القضية.
ان الناظر في كتب الاصوليين بجد عددا من المصادر التشريعية بالاضافة الى الكتاب والسنة التي توسع امام المجتهد دائرة المورد الاسلامي لاستنباط الاحكام الصالحة لكل زمان ومكان.
وهذه المصادر مهما تعددت لا ينبغي النظر اليها على انها مصادر مستقلة عن الكتاب والسنة، لان هذا يتنافى مع معاني التوحيد الحق لله - تعالى- كما مر هذا في المبحث الثاني.
إن هذه المصادر ما هي الا نصوص عامة او قواعد كلية مأخوذة من مجموعة من النصوص، واستنباط هذه القواعد العامة له شواهده من النصوص نفسها ولنأخذ مثلا هذا الحديث الشريف:"عن ابي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"الخيل لثلاثة: لرجل اجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر ... وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحمر فقال: ما انزل علي فيها الا هذه الاية الجامعة الفاذة"فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره" [1]
ومعنى الحديث ان الخيل نزل فيها وحي بخصوصها، واما الحمر فلم ينزل فيها وحي، لكنها تندرج تحت هذه الاية الجامعة، فإذا استعملها الانسان في الخير كانت خيرا، وان استعملها في الشر كانت شرا، والان لنتصور ان سائلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البغال او الابل فهل سيختلف الجواب؟ وكذلك لما يسأل الناس اليوم عن السيارات او الطائرات ... الخ.
إن هذا الحديث اعطانا منهجية مرنة في التعامل مع النصوص: وهذه المنهجية هي التي جعلت علماء الاسلام يستنبطون القواعد الكلية او"المصادر التبعية"التي سنتناول بعضها امثلة وشواهد، اما الكتاب والسنة وهما المصدران الرئيسان فلا حاجة لدراستهما هنا لن حجيتهما محل اتفاق المسلمين، فلنأخذ الان اهم المصادر التبعية:
اولا: الاجماع:
يعرف الاجماع بأنه: اتفاق مجتهدي امة محمد صلى الله عليه وسلم، بعد وفاته في عصر من العصور على امر من الامور" [2] "
ان التعريف هذا يعطينا تصورا اوليا لوظيفة هذا المصدر، فهو لا بد ان يكون بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ الوحي في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم كفيل بحسم الامر، لكن هناك مئات القضايا المستجدة التي تظهر بعد انقطاع الوحي على مر العصور فما موقفنا منها؟
ان دراسة هذه القضايا من قبل علماء المسلمين واتفاقهم عليها يعد حجة شرعية لا يجوز العدول عنها، لكن الا سائل يسأل ما الذي جمع هؤلاء المجتهدين على راي واحد؟ ان المجتهدين لا بد انه قد لاح لهم من نصوص
(1) البخاري، صحيح البخاري، ج2، ص 331، رقم الحديث 2860
(2) الشوكاني، إرشاد الفحول، ص 71