ابن مسعود قد بين لنا في هذا القران كل علم وكل شيء، وقال مجاهد: كل حلال وكل حرام، وقول ابن مسعود اعم واشمل، فإن القران اشتمل على كل علم نافع، وما الناس اليه محتاجون في امر دنياهم ودينهم ومعاشهم ومعادهم" [1] وهذا تقرير للشمولية بأجلى معانيها كما ترى.
ولا يبعد تفسير ابن كثير للاية الثانية عما ذكره في تفسيره للاية الاولى [2]
واما الاية الثالثة فيقول فيها ابن كثير:
"هذه اكبر نعم الله - تعالى - على هذه الامة حيث اكمل لهم دينهم فلا يحتاجون الى دين غيره، ولا الى نبي غير نبيهم ولهذا جعله الله - تعالى - خاتم الانبياء وبعثه الى الانس والجن، فلا حلال الا ما احله، ولا حرام الا ما حرمه، ولا دين الا ما شرعه" [3]
وقد يعترض معترض فيقول: إن اكمال الدين شيء وانظمة الحياة شيء اخر، فالدين حتى لو كان كاملا فليس معناه ان يكون شاملا لكل جوانب الحياة، والحق ان هذا وهم نتج عن وهم سابق في فهم مصطلح الدين، ويكفي ان اذكر بأن القرآن قد استعمل مصطلح"الدين"في غير ما يفهمه هؤلاء عن"الدين"في غير ما يفهمه هؤلاء عن"الدين"ان القران يقول مثلا:"ما كان ليأخذ اخاه في دين الملك" [4] ان هذا النص يحدد مدلول كلمة الدين في هذا الموضع تحديدا دقيقا، انه يعني نظام الملك وشرعه، هذا المدلول القرآني الواضح هو الذي يغيب في جاهلية القرن العشرين ...
انهم يقصرون الدين على الاعتقاد والشعائر" [5] ، فالدين في هذه الاية لم يستعمل في صلاة او صوم وانما في العقوبة المقدرة عند الملك لمن يسرق."
واما الاية الرابعة فهي صريحة في وجوب الاحتكام الى الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يكون بين الناس من خصومات ومنازعات، وهذه لكي تقطع الطريق امام من يريد حصر الدين في العقائد والشعائر، وجميل قول ابن كثير في هذا:"يقسم - تعالى - بنفسه الكريمة المقدسة انه لا يؤمن احد حتى يحكم رسول الله صلى الله في جميع الامور، فما حكم به فهو الحق الذي يجب الانقياد له ظاهرا وباطنا". [6]
ثانيا: السنة النبوية المطهرة:
من المعلوم ان الرسول صلى الله عليه وسلم قد جسد معنى الشمولية في الواقع الذي انشأه - عليه الصلاة والسلام - لا سيما بعد الهجرة المباركة، وقيام دولة الاسلام في المدينة، وحتى خضوع الجزيرة كلها لسلطات الاسلام فلم يكن للمسلمين مصدر في عقيدتهم وشريعتهم واخلاقهم الا الوحي، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يؤمهم في الصلاة، ويقودهم في الحرب، ويقضي بينهم في الخصومات، ويعلمهم الاخلاق والحلال والحرام في العبادات والمعاملات ... الخ.
(1) ابن كثير، التفسير، ج 2، ص 563، وابن عطية، تفسير ابن عطية، ج 8 ص 493.
(2) ابن كثير، التفسير، ج 2، ص 479
(3) المرجع السابق، ص 13، وابن حزم، الاحكام في اصول الاحكام، ج 2 ص 488
(4) يوسف: 76
(5) قطب، سيد، في ظلال القران، ج 4، ص 2020
(6) ابن كثير، التفسير، ج 1، ص 493