الفصل الرابع
في حكم الشفعة
اختلف الفقهاء في حكم الشفعة على قولين:
القول الأول: لجمهور الفقهاء من السلف والخلف فقالوا: إن حكم الشفعة الإباحة بمعنى: أنها حق اختياري للشفيع المطالبة بهذا الحق فور علمه بالبيع، كما له أن يتركه.
وقد استدلوا على ما ذهبوا إليه بالسنة والإجماع.
أما السنة:
1 -روى أحمد عن عبادة بن الصامت «أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالشفعة بين الشركاء في الأرض والدور» [1] .
2 -كما استدلوا بما رواه البخاري وأحمد من حديث جابر -رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم- قضى بالشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة» [2] .
3 -وبما رواه مسلم وأبو داود والنسائي من حديث جابر «أن النبي صلى الله عليه وسلم، قضى بالشفعة بين الشركاء في كل شركة لم تقسم ربعة أو حائط لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه، فإن شاء أخذ، وإن شاء ترك، فإن باعه ولم يؤذنه فهو أحق به» [3] .
وأما الإجماع:
فقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على ثبوت الشفعة للشريك الذي لم يقاسم فيما يبيع من دار، أو حائط أي: بستان، ومن المعروف أن ابن المنذر الذي حكى الإجماع هو: إبراهيم بن المنذر بن عبد الله، أحد كبار العلماء المحدثين - بضم الميم وتشديد الدال وكسرها- عن مالك، وابن عيينة وقد توفى سنة 236هـ.
ولم يعلم خلافًا في ثبوت الشفعة إلا لأبي بكر الأصم وهو: محمد بن الأصم المتوفى سنة 320هـ [4] .
فعلى هذا يكون أبو بكر الأصم قد خالف الإجماع؛ لأنه وجد بعد إجماع أهل العلم على ثبوت الشفعة للشريك الذي لم يقاسم .. الذي حكاه ابن المنذر، ولا عبرة بقول من خالف الإجماع، أو نقول: لعل حكاية الإجماع هذه لم يعلم بها أبو بكر الأصم.
القول الثاني: عدم الإباحة بمعنى: أن الشفعة ليس حقًا للشفيع وليس له حق المطالبة بها، وذهب إلى هذا جابر بن زيد من التابعين، وأبو بكر الأصم [5] .
وأدلة أصحاب القول الثاني هي:
(1) الشوكاني: جـ 5، ص 334.
(2) المرجع السابق: جـ 5، ص 331.
(3) صحيح مسلم بشرح النووي: جـ 1، ص 45. الشوكاني: جـ 5، ص 331.
(4) تاريخ بغداد: جـ 2، ص 193.
(5) المغني والشرح الكبير: جـ 5، ص 549.