الصفحة 14 من 33

وما دام الشفيعان شريكان في نفس المبيع، فلا قوة لأحد السببين على الآخر؛ لأن كل واحد مقابل بالآخر المساوي له، بدليل أنه لو انفرد صاحب السدس يحق له أن يأخذ الكل، ولو كان مرجوحًا استحق شيئًا في مقابل الراجح فاستويا [1] .

ثانيًا: أدلة أصحاب القول الثاني: على أن العقار المشفوع فيه يوزع بين الشفعاء بنسبة حصة ما يملكه كل منهما في العقار المشفوع به.

الدليل الأول: الشفعة حق يستفاد بسبب الملك، فتعد من مرافقه، فتقدر بقدر حصة الملك كالريح والثمرة بين الشركاء [2] .

ورد هذا: بأنه قياس مع الفارق؛ لأن الريح والثمرة متولدان عن الملك، فيراعى في توزيعها مقدار هذا الملك، وأما الشفعة فليست متولدة عن الملك؛ لأنها استحقاق تملك مال الغير دون رضاء، وفقا للضرر، وليس ذلك ثمرة من ثمرات الملك [3] .

الدليل الثاني: الشفعة حق كالديون، فكما يوزع مال المدين على الدائنين إذا تفاوتت ديونهم، ولم يتسع لها على قدر ديونهم، لا على عدد رءوسهم، فكذلك يوزع المشفوع، على قدر حصصهم لا على عدد رءوسهم.

ورد هذا الدليل: بأنه قياس مع الفارق أيضًا، فإن أصحاب الديون لو انفرد أحدهم لم يأخذ إلا دينه، وليس له الحق في جميع المال، بخلاف الشفعاء، فإن صاحب القليل لو انفرد استحق جميع المشفوع فيه، ومثله صاحب الكثير حين انفراده، فهما أشبه بأصحاب الديون الذين تساوت ديونهم، لا الذين تفاوتت ديونهم.

والمختار من القولين

هو ما ذهب إليه الأحناف من القول بتوزيع المشفوع فيه على الشفعاء بالتساوي متى كانوا من درجة واحدة؛ وذلك لقوة دليل الأحناف، ولأن المساواة بين الشفعاء في هذه الحالة يقرب النفوس بعضها إلى بعض، وهذا مما يوصي به تعاليم ديننا الحنيف ويسعى دائما لتحقيقه.

المبحث الثاني

في اجتماع الشفعاء من درجات مختلفة

ذهب الأحناف إلى القول بثبوت الشفعة لطبقات ثلاث تتفاوت قوة وضعفا، وهذا مخالف لما ذهب إليه المالكية والشافعية والحنابلة، حيث إنهم أثبتوا الشفعة للشريك في ذات المبيع كما أسلفنا.

وبناء على مذهب الأحناف إذا تعدد من ثبتت لهم الشفعة من طبقات مختلفة، وأراد كل منهم الأخذ بالشفعة فمن الذي يقدم من الشفعاء؟ الذي يقدم ويجاب إلى طلبه هو صاحب الدرجة الأولى، وهو الشريك في نفس المبيع، فإن سلم أجيب إلى طلب صاحب الدرجة الثانية، وهو الشريك في حق المبيع، فإن سلم فهي لصاحب الدرجة الثالثة وهو الجار الملاصق [4] .

(1) المبسوط للسرخسي: جـ 14، ص 97، بتصرف، والزيلعي: جـ 5، ص 241.

(2) بداية المجتهد ونهاية المقتصد: جـ 2، ص 260.

(3) الزيلعي: جـ 5، ص 241.

(4) المبسوط للسرخسي: جـ 14، ص 94 بتصرف، الزيلعي: جـ 5، ص 239.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت