الفصل الخامس
في حكمة مشروعية الشفعة
شرعت الشفعة في الإسلام، من أجل دفع ضرر الدخيل، وهو المشتري، عن الشفيع على الدوام لسوء المعاشرة والمعاملة الواقعة أو المتوقعة لقول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: «لا ضرر ولا ضرار في الإسلام» .
لهذا يتضح لنا جليًا أن مشروعية الشفعة تتفق مع الأصول العامة للشريعة الإسلامية وإن كانت على خلاف ما وضع من حدود للملكية، حيث إن إباحة الشفعة للشفيع واستعماله لها يترتب عليها أخذ ما في يد المشتري جبرا عنه، وهذا مما لا ريب فيه ينافي قاعدة اشتراط الرضا في انتقال الملكية بين الأشخاص.
فالشفعة بمثابة استثناء تدعو إليه المصلحة التي شرعت من أجلها الشفعة ولم يترتب عظيم ضرر لطرفي عقد البيع، لا للبائع ولا للمشتري، فقد توفر للبائع معه ما يبقى من المال عوضًا عن المبيع، كما أن المشتري كان في غنى عما اشتراه قبل شرائه، خاصة وقد وجد من هو أحق منه، ومن في صرف الصفقة عنه إلى غيره من الضرر ما لا يخفى على ذي عقل، فقدم عليه دفعًا للإضرار به، وتمكينه من حقه، خاصة وأن المشتري لم يخسر شيئًا؛ لأن الشرع أوجب له أخذ ما دفعه ثمنًا لما اشتراه.
فمشروعية الشفعة من أجل هذا متفقة تمامًا والأصول العامة للشرع الإسلامي، الذي يسعى دائمًا لتحقيق مثل هذه الغاية وغيرها من الغايات النبيلة والتي ما شرعت الشرائع السماوية إلا من أجل تحقيقها.