قال ابن بطال*: وفي"العتبية"عن مالك أن ذلك مُحْدَث. اهـ (1)
قلت: وقال الحافظ في موضع آخر: ويحتمل أن تكون هذه مفسرة لذلك فكان المراد أن رفع الصوت بالذكر أي بالتكبير، وكأنهم كانوا يبدءون بالتكبير بعد الصلاة قبل التسبيح والتحميد. (2)
قلت: ومن هذا الذي تقدم يتبين لنا بوضوح عدم وجود دليل على سنية التكبير عقب التسليم، وأن الراجح بل الصواب هو البدء بالاستغفار ويدل عليه ما يلي:
أولًا: ما أخرجه الإمامُ مسلم في صحيحه وأصحاب السنن من حديث ثوبان - رضي الله عنه - قال كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثًا، وقال اللهم أنت السلام .... الحديث، ومن حديث عائشة رضي الله عنها بلفظ كان إذا سلَّم لم يقعد إلا بمقدار ما يقول"اللَّهمَّ أنت السلام "الحديث.
وهذان الحديثان كما هو واضح وجلي يتبين منهما صفة فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد السلام.
ثانيًا: القاعدة الأصولية: [أن الدليلَ إذا طرقه الاحتمالُ سقط به الاستدلالُ]
ثالثًا: الاختلاف الواقع من حيث الاستدلال، فنجد أن المتقدمين يقيدونه عقب الصبح والعشاء فقط، والمعاصرين يطلقونه بلا قيد، فكيف هذا؟؟؟ وبهذا يعود الأمر فيه إلى ما قاله الإمام مالك رحمه الله تعالى أن ذلك مُحْدَث.
5 -لا يجوز استخدام"المسبحة"بديلًا عن الأصابع، وللشيخ ناصر الدين الألباني- رحمة الله تعالى عليه- بحث ماتع نفيس في هذا الباب، رد فيه على القائلين بجوازها مستدلين بحديث {نعم المذكر السبحة} ، وقولهم: قد جاء في بعض الأحاديث التسبيحُ بالحصى، فقال عن الحديث بعد التحقيق [حديث موضوع] ولمن أراد مزيدَ بيانٍ فليراجعه في سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة 1/ 110 - 117 حديث رقم 83
وقال سماحة الشيخ/ عبد العزيز بن باز - رحمة الله تعالى عليه -"تركها أولى، وقد كرهها بعض أهل العلم، والأفضل التسبيح بالأصابع كما كان يفعل ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه أمر بعقد التسبيح والتهليل بالأنامل وقال: إنهن مسؤولات مستنطقات"خرجه أبو داود (3)
6 -هل التسبيح يكون باليدين أم باليد اليمنى فقط؟
الجواب: مَنْ سبح باليدين فلا حرج، لإطلاق غالب الأحاديث، أما الاقتصار في التسبيح على اليد اليمني فقط، كما يقول بعضُ العلماءِ احتجاجًا بروايةٍ أخرجها الإمامُ أبو داود والبيهقي من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما بلفظ: {رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعقد التسبيح بيمينه} فقد حقق القولَ فيه الشيخُ العَلامةُ/ بكر بن عبد الله أبو زيد- حفظه الله تعالى- بعد أنْ جمع كل طرق الحديث وألفاظ الرواة، حيث تبين منه تفرد"محمد بن قدامة بن أعين المصيصي"بلفظة: [بيمينه] عن جميع الرواة، وهو وإنْ كان ثقةً، إلا أن الحديثَ يكون شاذًا، كما قال صاحب البيقونية:
وما يخالف ثقةٌ فيه الملا ... فالشاذُ والمقلوبُ قسمان تلا
* هو أبو الحسن علي بن خلف بن عبد الملك بن بطال القرطبي، له شرح على صحيح البخاري، توفي سنة 449هـ رحمه الله تعالى، انظر ترجمته في شذرات الذهب لابن العماد 3/ 283، الأعلام للزركلي 4/ 285
(1) انظر فتح الباري شرح صحيح البخاري 2/ 379
(2) المصدر السابق 2/ 380 ... (3) انظر كتاب [فتاوى وتنبيهات ونصائح] لسماحته ص 313