... ونخلص من هذا كله أنَّ هناك جدلًا حول تسمية المعلقات وخبر تعليقها، وأميل إلى أنَّ هذه القصائد لم تعلق على أستار الكعبة، لأن خبر تعليقها قد ورد أول مرة عند ابن عبد ربه الأندلسي، ومن ثم تردد أكثر لدى باحثين مغاربة مثل ابن رشيق وابن خلدون ولذلك ألفينا من يعد كتابة القصائد بماء الذهب إنما هي تفاويه أندلسية «اخترعوها لتفسير تسمية غامضة لا يعرفونها » بدل أن يقولوا » الله أعلم« وكان الأندلسيون بحكم موقع بلادهم، في بعدها عن الشرق، وطبيعتها، وتعدد مناخها، وتنوع جوائحها من سيول وأمطار، ورعود وفيضان، يميلون إلى الغرائب والعجائب، ويؤخذون بها، ويبالغون في روايتها، حتى لو تجاوزت الممكن وتجافت الواقع « (1) .
... ومن الجدير بالذكر أنَّ عالمًا معاصرًا لابن عبد ربه وهو ابن النحاس قد نفى أمر تعليقها على أستار الكعبة » ولعل أهم ما يقدح في خبر تعليق هذه القصائد على جدران الكعبة خلو مصادر القرون الأربعة الأولى بعد الإسلام منه وظهوره متأخرا في المصادر التالية، هذا فضلا عن خلو أخبار فتح مكة من أخبار هذه القصائد، إذ لو كانت معلقة على جدران الكعبة ابان الفتح لورد ذكرها « (2) ويضاف لهذا أنّ َ» اختلاف رواة الشعر في ضبط أبيات تلك المعلقات، دليل في حد ذاته على عدم صحة التعليق، إذ لو كانت تلك القصائد معلقة ومشهورة، وكانت مكتوبة لما وقع علماء الشعر في هذا الاختلاف « (3) يضاف إلى ذلك أنَّ بعض هذه القصائد ـ وبخاصة قصيدة امرئ القيس ـ كانت تشتمل على فاحش الكلام، مما لا يليق بالعرب أن يعلقوا هذه القصيدة في مكان يقدسونه ويحجون إليه . كما أنه من المؤكد أنَّ حمادًا الراوية هو أول من جمعها، فكيف يصح أن تكون معلقة على أستار الكعبة، وقد عمد حماد إلى جمعها وإذاعتها بين الناس .
(1) ـ نفسه، ص 103 ـ 104 .
(2) ـ عبد العزيز النبوي، دراسات في الأدب الجاهلي، ص 71 .
(3) ـ جواد علي، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، 9/514 .