... إنَّ هذه الرواية لا يؤكدها دليل، ولعل واضعها كان يريد تأكيد أهمية مدرسة الكوفة في نشر الشعر الجاهلي وإشاعته، وقد فطن إلى هذا رجيس بلاشير بقوله » ولعل هذا الخبر موضوع لتفضيل الكوفيين على البصريين في الخلافات التي نشبت بين البلدين فقسمت الناس إلى معسكرين متناظرين « (1) ويذهب الدكتور جواد علي إلى نفي هذا الخبر لأنه » لا يعقل ... تصور انفراد حمّاد وحده بمعرفة أمر ديوان النعمان بن المنذر دون سائر الرواة وعشاق الشعر وفيهم من كان لا يقل حرصًا ولا تتبعًا له عن حمّاد... ولو كان عند آل مروان ذلك الديوان حقًا، لافتخروا بوجوده لديهم، ولعرضوه على الناس، ولأخذوا منه شعر القديم، ولما استعانوا بالرواة من حمّاد وأمثاله ليرووا لهم الشعر الجاهلي وليجمعوا لهم ذلك الشعر « (2) .
... وقد ورد أنَّ العرب قد علقوا بعض قصائدهم بين أستار الكعبة، وقد أذاع هذا الخبر ابن عبد ربه، حيث يقول » كان الشعر ديوان العرب خاصة، والمنظوم من كلامها، والمقيد لأيامها، والشاهد على أحكامها، حتى لقد بلغ من كلف العرب به وتفضيله له أنْ عمدت إلى سبع قصائد تخيرت من الشعر القديم . فكتبتها بماء الذهب في القباطي المدرجة، وعلقتها بين أستار الكعبة، فمنه يقال مذهبة امرئ القيس، ومذهبة زهير« (3) وهى سبع قصائد، اضافة إلى معلقتي امرئ القيس وزهير بن أبى سلمى . يذكر ابن عبد ربه: معلقة طرفة بن العبد، وعنترة بن شداد، وعمرو بن كلثوم، ولبيد بن ربيعة والحارث بن حلزة اليشكرى .
... وقد أكد ابن خلدون خبر تعليق المعلقات بأركان البيت الحرام مشيرًا إلى أنه
(1) ـ ريجيس بلاشير، تاريخ الأدب العربي، 1/246 .
(2) ـ جواد علي، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، 9 /159 .
(3) ـ ابن عبد ربه، العقد الفريد، 5/269 .