... إنَّ استخدام مصطلح مرحلة ما قبل الإسلام إنما يؤكد الفاصل الزماني بين مرحلتين، ولا يتضمن دلالة أخرى، في حين يتميز عليه مصطلح الجاهلية، فضلًا عن شيوعه واستقراره وثباته وبريقه في أنه يشتمل على التحديد الزماني الذي يتضمنه مصطلح » مرحلة ما قبل الإسلام « من ناحية، ويؤكد أنَّ المرحلة السابقة للإسلام
»الجاهلية « تمثل طورًا حضاريًا متغايرًا عن الطور الحضاري الإسلامي من ناحية أخرى .
... ولا يعني هذا أنَّ الطور الحضاري السابق للإسلام لا علم فيه ولا حضارة، وهو ليس إظلامًا تامًا، وإنما هو طور حضاري له خصائصه وسماته وميزاته، وهو يختلف عن طور حضاري آخر أكثر منه رقيًا وتقدمًا، ولهذا أؤثر استخدام مصطلح » الجاهلية « على مصطلح » مرحلة ما قبل الإسلام « للأسباب التي ذكرتها .
الكتابة عند العرب
... عرف العرب الكتابة في الجاهلية على نحو نادر في البادية وموجود في الحاضرة، ومما يدل على معرفة العرب لها ورودها في بعض قصائد الشعراء الجاهليين، فلقد وردت الكتابة ونقوشها في سياق تشبيه الأطلال ورسوم الديار، ومن ذلك قول المرقش الأكبر: (1)
هَلْ بالديارِ أنْ تُجيبَ صَمَمْ
لو كانَ رَسْمٌ ناطقًا كَلَّمْ
الدارُ قَفْرٌ والرسُومُ كَمَا
رَقَّشَ في ظَهرِ الأديمِ قَلمْ (2)
ويقول امرؤ القيس:
قِفَا نَبكِ مِنْ ذِكرى حَبَيبٍ وَعِرفانِ
وَرَسْمٍ عَفَتْ آياتُهُ مُنذُ أَزمانِ (3)
أَتَتْ حِجَجٌ بَعدِى عليها فأصبَحتْ
كَخَطِ زَبُورٍ في مَصاحفِ رُهبَانِ (4)
ويقول سلامة بن جندل: (5)
لِمَنْ طَلَلٌ مثلُ الكِتابِ المُنَمَّقِ
(1) ـ المفضل الضبي، المفضليات، ص 237 .
(2) ـ رقش: زيَّن وحسَّن، الأديم: الجلد .
(3) ـ عرفان: أي ما عرف به من علامات الدار، عفت آياته: أي تغيرت علامته ودرست .
(4) ـ امرؤ القيس، ديوان امريء القيس، ص 89 . أتت حجج: يصف قدم الدار .
(5) ـ الأصمعي، الأصمعيات، ص132 .