خَلا عَهدُهُ بَينَ الصُليبِ فِمُطرِقِ (1)
ويقول لبيد بن ربيعة العامري:
عَفَتِ الدِّيارُ مَحَلّهَا فَمُقامُهَا
بِمِنىً تَأَبَّدَ غَوْلُها فَِرجَامُها (2)
فَمَدافِعُ الرّيَّانِ عُرِّيَ رَسمُهَا
خَلَقًا كَمَا ضَمِنَ الوحِيُ سِلامُهَا (3)
وَجَلا السّيُولُ عَنِ الطّلولِ كأَنّها
زُبُرٌ تُجِدُّ مُتُونَها أَقلامُها (4)
... إنَّ هذه الأبيات الشعرية تدل على أنَّ الكتابة كانت معروفة في الجاهلية، وأنَّ الشعراء كانوا يشبهون بها الأطلال بخاصة، ولا يعني هذا أنَّ الشعراء كلهم كانوا
» يتقنون الكتابة، كما أنها لا تدل على أنهم »كانوا يعتمدون على الكتابة في نظم الشعر وروايته، وإنما تدل فقط على أنَّ رسوم الكتابة وصورها والزخارف التي تصنع منها كانت معروفة لبعضهم على نحو من الأنحاء، وأنهم لم يكونوا يرون فيها سوى زخارف أو نقوش مزينة ورموز غامضة لا يتبينها المرء إلا بصعوبة وبعد جهد جهيد« (5) ، كما أنَّ اقترانها بتشبيه الطلل يدفع إلى القول بأنها كانت شكلًا من التعبير المألوف الذي تحول إلى تقليد يعمد الشعراء إلى تكراره وإعادته .
(1) ـ ... الطلل: ما شخص من آثار الديار، المنمق: المحسن الموشى، الصُليب ومطرق: موضعان .
(2) ـ عفت: درست، المحل من الديار: ما حل فيه لأيام معدودة، المقام: ما طالت إقامته به، منى: موضع،
تأبد: توحش، الغول والرجام: جبلان.
(3) ـ المدافع: أماكن يندفع عنها الماء من الربى، الريان: جبل، الوحي: الكتابة، السِلام: الحجارة .
(4) ـ جلا: كشف، الطلول: جمع طلل، الزبر: جمع زبور وهو الكتاب، تجد: تجدد .
(5) ـ عبد المنعم خضر الزبيدي، مقدمة لدراسة الشعر الجاهلي، ص 59 .