هذا الاختلاف الجوهري قد ينظر إليه على أنه يحدَُّ من قيام علاقات قوية بين الشرق والغرب, ما لم يتنازل الغربُ عن الشعور بأن قوانينه هي الصالحة, ونظم غيره من الأمم الأخرى غير معتبرة، رغم أن واضعي الاتفاقيات الدولية, في مسائل تتعلق بالإنسان, بدأوا يدركون شيئًا من هذا التضارب, وبالتالي بدأوا يستأنسون بالأنظمة الأخرى، لاسيَّما حقوق الإنسان في الإسلام, عندما برزت ظاهرة التحفظات من كثير من الدول الإسلامية, التي عُرِضِت عليها اتفاقيات حقوق الإنسان وحقوق الطفل, وغيرها من القوانين ذات الصبغة الغربية.
ولابد, هنا, من التعريج على خلفية هذه القوانين الدولية، إذ إني أزعم أنها لا يمكن أن تتجرد من الخلفية الدينيَّة, مهما صيغت في مجتمعات غير متديِّنة، أو تتبنَّى منهج العَِلمانية في الحكم والحياة.
ومهما كان الشخص عَِلمانيًا, إلا أنه لا يخلو من وضع بصمات خلفيته الثقافية, عندما يأتي الأمرُ لصياغة قانون دولي، وهذا ما صرحتْ به بعض الدول الإسلامية, عندما سوَّغت تحفظها على بعض موادِّ هذه القوانين وفقراتها، مما يعني"أنها سيطرةُ نظامٍ غربي ذي نكهة دينية على دين آخر يملك البديل، ويعتقد أنه الأولى من ذلك النظام الموضوع". [1]
والواقع أن تطبيق المسلمين للشريعة، بما في ذلك الحدود، يتعرَّض لنقد جارح, من تلك الأوساط الغربية، وتُتَّهم الحدود في الإسلام ببعدها عن الإنسانية, والتحضُّر, واحترامِ حقوق المرءالمجرم, الذي يقام عليه الحدُّ.
(1) ... انظر"العلمانية"في: نعمان عبدالرزاق السامرائي. نحن والصديق اللدود: دراسة تحليلية للفكر الغربي وموقفه من الإسلام. ــ لندن: دار الحكمة, 1417هـ. ــ ص 180 ــ 183.