في القسم الأوَّل من هذا الكتاب جرى التوكيد على إغفال الجغرافيا, أو الجهة, عند مناقشة مُحَدِّدات العلاقة بين الشرق والغرب، ذلك أن نعت الطرفين بصورة قابلة للمقارنة يؤيد هذا الإغفال، وهما طرفان, في ظاهرهما, غير متقابلين, فالغرب جهة، والشرق, في هذا الاستخدام الاصطلاحي, يمثِّل دينًا لا يعترف بالجهات, من حيث التأثير. ولعل من أسباب التوكيد على الإسلام في مقابل الغرب الإيعاز الفعلي بأن الغرب فكرٌ وثقافة، وبالتالي الابتعاد عن المقابل الجغرافي، وهو الشرق. والحديث لا ينصبُّ على الغرب في مقابل الشرق، بل على الإسلام الدين, في مقابل الغرب الفكر والثقافة والتوَجَّه.
والابتعاد عن الشرق, الجهة والثقافة والفكر, مقصود أيضًا بالتوكيد على الإسلام، لأن مدار الحديث هو المقابلة بين الإسلام, لكونه اليوم متركزًا أكثر في الشرق, بالنسبة للغرب، ولكون الشرق أيضًا مليء بالثقافات والملل والنحل الأخرى, غير الإسلام.
ويؤيد هذا التوزيع زعم بعض مفكري الغرب، وهو الشاعر روديارد كيبلنج بمقولته المشهورة أن الشرق شرق والغرب غرب، وهو يعني بهذا أنهما لا يمكن أن يلتقيا، فسيظل الشرق شرقًا, بمعطياته الفكريَّة والثقافيَّة والحضاريَّة، وسيظل الغرب غربًا, بمعطياته الفكريَّة والثقافيَّة والحضاريَّة. [1]
وهذا الادعاء يزعم أن الشرق قد أدى دوره ي الحياة، ثم تنازل للغرب, الذي يقود اليوم مسيرة الحضارة. وبقي الشرق على ما هو عليه، ماضيًا وتاريخًا، مجالًا للدراسة والسياحة, والهروب من الغرب في رحلات استجمام, وتعرُّفٍ على التراث واطلاعٍ على الآثار، ثم يعود الغرب ليواصلَ البناء, بعد أن قضى مدة من الراحة.
(1) إدوارد سعيد. الاستشراق: المعرفة, السلطة, الإنشاء. ــ ط 2. ــ ترجمة: كمال أبو ديب. ــ بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر, 1984م. ــ ص. 75, 233, 235, 237, 340.