الأول عالج النازلة انطلاقا من استدلاله بأصل متفق عليه وهو القرآن؛ حتى يؤكد للنفاة جلل المسألة، وطريقته في ذلك قامت على رد الخطاب إلى أصله اللغوي عند انشغال المفسرين بالاختلاف في المعاني، كدخول عيسى ابن مريم في ذرية إبراهيم عليهما السلام استنادًا إلى اللسان العربي الذي يفيد بأن ولد البنت من الذرية، وبالتالي فإن ولد الشريفة يكون شريفا لأنه من الذرية، نفس الأمر وظفه الضرير بالنسبة للآيات التي تصرح بولادة وقرابة عيسى من إبراهيم عليهما السلام، بدليل أن ولد البنت في اللسان تصدق عليه هذه الألفاظ بإجماع اللغويين، مما يعني أن ولد المرأة الشريفة تكون له ولادة وقرابة من جدِّه الشريف لأمه، فيكون كذلك شريفا بحكم هذه الولادة والقرابة. بجانب ذلك فإنَّ الضرير استعان على إثبات النازلة بالأصل الحديثي الصحيح إلا قليلا من الروايات الضعيفة المعززة بالشواهد والتوابع. واللافت للنظر في مؤلَّف الضرير قدرته على ربط أحكام الأحاديث بأسباب ورودها وجريانها كلما تجددت هذه الأسباب، على أن النص الحديثي كالنص القرآني هو خطاب مشترك بين قائله المكلِّف ومتلقيه المكلَّف، وبالتالي فإنَّ ضرورة رد النص الحديثي إلى سبب وروده ـ على أنه نص لم يأت من فراغ ـ مسألة مهمة لتعدي أحكامه وجريانه على الأسباب المتشابهة. كما راح الضرير مقتفيًا طريقة المجتهدين في استنطاق منطوق الحديث مبينًا مفهومه كي يبرهن على ثبوت الشرف من جهة الأم، ومستدلًا على طرحه بالأصلين اللغوي والعرفي ـ الذي سيق عليهما النص الحديثي ـ أيّما استدلال.
أما الأصل الثالث وهو الإجماع فإنّ الضرير ـ كعادة الأصولي ـ استدل به بعد الأصلين القرآن والسنة، فاعتمد على إجماع علماء الملة قاطبة على شرف الحَسَنيْن لشرف أمهما بولادة رسول الله صلى الله عليه وسلم «فوجب أن يطرد انعقاده في كل من للنبيِّ عليه السلام عليه ولادة من قبل أب أو أم .. » كما أن الإجماع انعقد على تحريم نكاح المتصلة بالنبيِّ عليه السلام من جهة الأم عليه وإن سفلوا، مما يعني أنها بعضه، فلا يعقل أن يكون بعضُ النبي عليه السلام غير شريف، ومن زعم ذلك فقد تنقصه. أما الأصل الأخير الذي استند إليه الضرير في إثبات الشرف من قِبَل الأم هو النظر أو القياس، ونظرًا لبراعته في تعليل الأحكام فإنه نقَّب عن علة الشرف وسبر أغوارها فوجدها المتات إلى النبي عليه السلام من جهة أب أو أم، فقال: «القياس حمل فرع مختلف فيه على أصل متفق عليه، والحكم المتنازع فيه ثبوت شرف من متَّ بأم إليه عليه السلام، والأصل ثبوت شرف من متَّ بأبيه، والعلة الجامعة المتات ... » مما يعني أن نازلة الشرف من جهة الأم تُقاس ـ باعتبارها فرعًا ـ على أصل ثبوت الشرف من جهة الأب، وذلك لوحدة الوصف الجامع بين الأصل والفرع الذي هو المتات إلى النبي عليه السلام، فيكون إلحاق حكم الأصل بالفرع قياسًا شرعيًّا، ومن جعل علة الشرف الميراث فإنه في نظر الضرير بعيد عن فقه الاجتهاد، لأن تعليق