مالك، أو عن غيره من أئمة المذاهب من شأنه إثبات الشرف من جهة الأم، وإلا فإن إثبات النازلة ـ حسب منظورهم ـ أمر مغلوط خارج عن الشرع، حينها بادر الضرير المراكشي إلى تأكيد مذهبه القاضي بإثبات الشرف من جهة الأم عن طريق رواية الإمام الشافعي في الروضة جاء فيها: «الشرف من قبل الأم ثابت.» وإن صحَّت هذه الرواية فإن الإمام الشافعي بذلك يعتبر أول من أفتى في النازلة من علماء الملة، بدليل أنه لم يصلنا شيء مدون قبلا، وحتى الإمام مالك ـ وهو الإمام الذي وعى علوم الأوائل ـ لم يحفظ عنه فيها شيء. والمثير في هذه الرواية ـ التي تناقلها فقهاء الإثبات خصوصا المراكشِيين ـ أنها جاءت كردة فعل طبيعية إزاء منطق التقليد والجمود اللذين سادا البلاد خلال القرن الثامن الهجري وما بعده، فجاءت بحق نصا شافيا لغليل المثبتين وجوابا مُفحِما لشبه المُنكِرين. ورغم أن الإمام الشافعي كغيره من الأئمة يُؤخذ كلامه بدليل ويُرد بانعدامه، لم ينقل الضرير المراكشي عنه دليلا اعتمده فيما قال، وكأن النفاة للشرف من جهة الأم لم يكن ليردهم غيرُ كلام الأئمة وإن جاء مجردًا من الأدلة.
ومن أوائل العلماء الذين قالوا بإثبات الشرف من جهة الأم ـ قبل انقضاء القرن السابع الهجري ـ ابن الغماز (المتوفى673هـ) فقيه بلنسية و بجاية وقاضيهما على مذهب الإمام مالك، حيث نقل عنه أنه كان يقول: «ولد الشريفة شريفا .. » ويأتي من بعده ابن دقيق العيد (المتوفى702هـ.) من فقهاء الإثبات الذي عالج النازلة استنادا إلى المذهب المالكي رغم شافعيتة. ومع مطلع القرن الثامن الهجري ظهر على الساحة العلمية ثلة من الفقهاء ذهبوا ـ كأسلافهم ـ إلى إثبات الشرف من جهة الأم أمثال ناصر الدين المشذالي (المتوفى731هـ.) رئيس البجائيين، ومن أوائل فقهاء بجاية الذين أثبتوا الشرف من جهة الأم ردًا على فقهاء تونس على رأسهم أبي إسحاق ابن عبد الرفيع الذي ـ كما رأينا ـ كتب مقالا ذكر فيه بعض الوجوه الدالة ـ حسب زعمه ـ على نفي حصول الشرف من جهة الأم. ولقد اعتبر الشريف أبو عبد الله (المتوفى771هـ.) الفقيهين أبي إسحاق وناصر الدين من أوائل الفقهاء المتكلمين في النازلة حينما قال: «لا أعلم في المسألة ـ نازلة الشرف من جهة الأم ـ نصًّا للمتقدمين من أصحابنا المالكية ولا المتأخرين، إلا ما وقفت عليه للتونسيين، كأبي إسحاق ابن عبد الرفيع، وهو يذهب إلى أن الشرف لا يثبت من جهة الأم، ورئيس البجائيين أبو علي ناصر الدين المشذالي ذهب إلى ثبوته.» والذي نعرفه أن قبل الفقيهَيْن وُجد من الفقهاء من تكلم في النازلة، لذا يُحمل كلام الشريف أبي عبد الله على أن أبا إسحاق وناصر الدين يعتبران أول من أفتيا في النازلة كتابة، فالأول كتب في النازلة مقالة أبدى فيها رأيه معززًا بأدلة مشيرة إلى عدم حصول الشرف لولد الشريفة، فكان مكتوبه بمثابة حكما نهائيا عليه عوَّل أكثرُ فقهاء تونس، أما الثاني فقد أملى رأيًا مخالفًا لأبي إسحاق أجاز كتابته ليكون حكمًا نهائيا عوَّل عليه